إقرار إسرائيلي بالفشل في حسم المعارك المتعددة.. "استنزاف مستمر"
السياسية - وكالات:
حذرت صحيفة عبرية دولة الاحتلال الإسرائيلي من وهم انتهاء الحرب التي تتواصل بأشكال مختلفة على كافة الجبهات، مؤكدة أن الردع الإسرائيلي تآكل و"تل أبيب" لم تنجح في "حسم" المعركة.
وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية في تقرير لمراسلها ومعلقها العسكري يوسي يهوشوع، إلى أن "لأسبوع المقبل يصادف مرور ألف يوم على اندلاع أطول حرب في تاريخ إسرائيل؛ وهي الحرب التي بدأت بأكبر إخفاق عسكري وأمني شهدته إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وفي أكثر لحظاتها ضعفا على المستوى الاستراتيجي، وهذا الواقع كان من الممكن أن يتطور إلى تهديد وجودي متعدد الجبهات، بحيث تنخرط إيران وحزب الله والضفة الغربية وقطاع غزة في مواجهة متزامنة".
حروب الشرق الأوسط لا تنتهي
ونوهت إلى أن "الرقم 1000 قد يكون مضللا، فحتى إذا تراجعت حدة العمليات العسكرية، فإن الحرب نفسها لن تنتهي، ففي الشرق الأوسط لا تنتهي الحروب بمراسم استسلام أو باتفاق سلام يمحو مصادر التهديد، بل تتغير طبيعتها، فتتناوب فيها مراحل القتال المكثف، والهدن، والعمليات المحدودة، وحروب الظل، وإعادة بناء قدرات الخصم، والصراع على الوعي والرواية".
وأوضحت أن "الحديث لا يدور عن نهاية حرب، بل عن انتقال المسؤولية من جيل إلى آخر، حيث يتسلم كل جيل واقعا أمنيا معينا، ويحاول تحسينه، ثم يسلمه إلى الجيل التالي في وضع أفضل، وبعد الانهيار الأولي، تمكن الجيش الإسرائيلي، من تثبيت الوضع، ثم الانتقال بعد عدة أشهر إلى هجوم مضاد أفضى إلى تحقيق إنجازات مهمة، وتبع ذلك نجاح العملية العسكرية ضد حزب الله وتدمير الجزء الأكبر من القدرات العسكرية للجيش السوري، وترسيخ الوجود الإسرائيلي على خط متقدم في هضبة الجولان".
أما في قطاع غزة، "إسرائيل تسيطر على نحو 60 في المئة من مساحة القطاع، وقد حققت انتصارات عسكرية مهمة في معظم الجبهات، مع ضرورة التمييز بين مفهومين مختلفين: الانتصار والحسم؛ فالانتصار لا يعني بالضرورة تحقيق الحسم، والحسم يعني فقدان العدو قدرته أو إرادته على مواصلة القتال على المدى الطويل، وهو ما لم يتحقق بعد".
وأكدت الصحيفة أن "كل من حماس وحزب الله وإيران، لم يتخل عن المواجهة، بل يسعى كل طرف إلى إعادة بناء قدراته واستخلاص الدروس ومواصلة الصراع بأساليب مختلفة"، منوها أن "إيران ورغم نجاح العمليات العسكرية الإسرائيلية ضدها، لكنها منعت انهيار نظامها وقلب الصورة على المستوى السياسي".
ولفتت إلى أن "المفاوضات التي قادها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع طهران أخفقت، وهذا الإخفاق السياسي بدد جزءا من المكاسب الإستراتيجية التي حققتها إسرائيل، وألحق ضررا بقوة ردعها في نظر دول المنطقة والتنظيمات المسلحة"، مشددا على ضرورة "تقييم الموقع الذي وصلت إليه إسرائيل والاتجاه الذي تسير نحوه، مع ضرورة كسر النمط التاريخي الذي تكرر مرارا؛ المتمثل في أن إسرائيل تتعرض لضربة قاسية، ثم تتعلم وتتطور، لكنها بعد تحقيق الانتصارات تميل إلى التراخي، والجمود، وتآكل إنجازاتها"، وفق زعمها.
الواقع في غزة والعودة إلى القتال
وفي الجبهة التي بدأت منها الحرب، فقد "رسخ الجيش الإسرائيلي انتشارا يوفر حماية أفضل من محاولات التسلل المستقبلية، ويواصل تدمير البنية التحتية، ويكثف غاراته تدريجيا ويواصل استهداف سكان غزة"، بحسب "يديعوت" التي نهبت لأهمية "توخي الحذر، ربما أعد الجيش نفسه لمواجهة التهديد المتمثل في التسلل البري للمسلحين، لكنه قد يفاجأ بتهديد أسراب من المسيرات الذاتية التي قد تطلق من غزة باتجاه المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للقطاع".
ولفتت إلى أن "الجيش الذي يستعد للحرب السابقة قد يجد نفسه متفاجئا بالحرب التالية، وفي هذا السياق، يدفع قائد المنطقة الجنوبية، اللواء ينيف عسور، باتجاه استئناف عملية عسكرية واسعة في غزة لأن حماس بحسب تقديره تمر بمرحلة ضعف، لكن هذا الطرح، لم ينجح حتى الآن في إقناع هيئة الأركان العامة أو القيادة السياسية، التي ترى أن هناك جبهات نشطة في لبنان والضفة الغربية وسوريا، وأن أزمة القوى البشرية، نتيجة استنزاف قوات الاحتياط، تحول دون توسيع العمليات".
ورأت أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "يتبنى في الوقت الراهن موقف المؤسسة العسكرية، غير أن اقتراب موعد الانتخابات، وعدم الوفاء بتعهده القضاء على حماس، يبقي هذا الجدل مفتوحا"، لافتا أن "المشهد في لبنان أكثر تعقيدا؛ من جهة، تمكنت إسرائيل من تفكيك التهديد الرئيسي الذي واجهته قبل الحرب، حيث كان يمتلك ما يقارب 150 ألف صاروخ، ويهدد بالتوغل داخل إسرائيل، بل وكان يردع إسرائيل حتى عن إزالة خيمتين أقامهما داخل أراض تعتبرها إسرائيل تابعة لها، أما اليوم، فالحزب يفتقر إلى قيادة فعالة ولم يتبق لديه سوى أقل من عشرة آلاف صاروخ، فيما تتركز معظم قواته شمال نهر الليطاني".
وفي ذات الوقت نفسه، "لا تزال قواتنا تنتشر في عمق الأراضي اللبنانية، بينما تُجرى مفاوضات بشأن ترتيب تدريجي تنسحب إسرائيل بموجبه من نقاط يجري الاتفاق عليها مسبقا، لتحل محلها وحدات من الجيش اللبناني، لكن وزير الأمن أكد أن إسرائيل لن تنسحب من جنوب لبنان، فيما تحدث نتنياهو عن البقاء داخل "الحزام الأمني"، وكل منهما لم يتعهد بعدم الانسحاب من الخطوط التي يسيطر عليها الجيش حاليا، كما لم يتم التوضيح بدقة إلى أين سيمتد هذا الحزام".
ونوهت أنه "رغم التراجع النسبي للجيش في لبنان، لكنه ما زال ينتشر في عمق الأراضي اللبنانية، رغم فقدانه لجزء من حرية العمل الواسعة التي كان يتمتع بها بموجب اتفاق تشرين الثاني/ نوفمبر 2024".
استنزاف في الضفة وردع تآكل
في الضفة الغربية المحتلة، بينت الصحيفة أن "حرب الاستنزاف ضد الفصائل الفلسطينية المسلحة مستمرة، بالتوازي مع التعامل مع "الإرهاب اليهودي"، كما يحتاج التوسع الاستيطاني وإقامة عشرات المزارع الاستيطانية الجديدة، إلى زيادة مساحة المناطق التي يتعين على الجيش تأمينها، الأمر الذي يستلزم تعزيز القوات هناك، ولهذا السبب، أصدر رئيس هيئة الأركان تعليماته بتعزيز فرقة الضفة الغربية بلواء المظليين، وبهذا يرتفع عدد الكتائب المنتشرة في المنطقة إلى 24 كتيبة".
أما بالنسبة لإيران، أكدت "يديعوت" أن "إيران تظل العامل الأكثر تأثيرا في جميع الجبهات، ولا سيما في ظل السياسة التي ينتهجها الرئيس ترامب"، معتبرة أن "العملية العسكرية التي نفذه، أكثر جيشين تقدما في العالم، انتهت بمفاوضات أُديرت بطريقة سمحت للنظام الإيراني باستعادة جزء من مكانته وتقديم نفسه باعتباره المنتصر".
وخلصت إلى أن "إيران ورغم أنها تلقت ضربة عسكرية قوية، لكنها نجحت على المستوى السياسي والإعلامي في ترسيخ رواية الصمود، بل وحتى رواية الانتصار"، مشيرة إلى "عدم قدرة إسرائيل اليوم على العمل بحرية في لبنان كما كانت تفعل سابقا، واستمرار إيران في إطلاق الصواريخ نحو إسرائيل، وقيام الولايات المتحدة بفحص كل رد إسرائيلي قبل تنفيذه، كلها مؤشرات على تآكل قوة الردع الإسرائيلية، وهو أمر تراقبه دول المنطقة عن كثب".
وحذرت من خطورة التقارب الأمريكي مع تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان، وهو ما يفرض على "تل أبيب" بحسب الصحيفة "إعادة تقييم للواقع الاستراتيجي، علما أن الولايات المتحدة تبقى الحليف الأهم لإسرائيل، لكنها تتحرك وفق مصالحها لا بدافع الصداقة، ولذلك ينبغي لإسرائيل أن تضمن بقاء المصالح الأمريكية مرتبطة باستمرار دعم واشنطن لها، من خلال حوار مباشر ومتواصل واستراتيجي بين نتنياهو وترامب".
وفي موازاة ذلك، قال: "سيكون من الصعب تجنب اتخاذ خطوة تعيد ترميم قوة الردع التي تآكلت، إلى جانب تنفيذ برنامج عميق لبناء قدرات عسكرية مستقلة".
ودعت "يديعوت" إلى "الاستعداد لاحتمال فرض قيود أو حظر أمريكي على توريد السلاح مستقبلا، رغم عدم وجود بديل حقيقي للمنصات الجوية الأمريكية، لكن تل أبيب تستطيع تعزيز استقلالها بصورة كبيرة في مجالات الذخائر، والطائرات المسيّرة والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والقدرات السيبرانية وأنظمة القيادة والسيطرة والصواريخ الاعتراضية والذخائر".
وتابعت: "على الرغم من إعلان نتنياهو عن خطة لتعزيز القدرات العسكرية بقيمة 350 مليار شيكل (دولار=3 شيكل) على مدى عشر سنوات، فإن وزارة الأمن لم تتلق حتى الآن أي مخصصات لتنفيذها، كما لا تزال الوزارة مدينة للصناعات العسكرية بنحو 13 مليار شيكل، وهو ما يؤخر توسيع خطوط الإنتاج وبناء القوة العسكرية المطلوبة".
وفي نهاية تقريرها، خلصت الصحيفة، أن "الألف يوم الأولى من الحرب كشفت أن إسرائيل لم تحسم الحرب في أيا من هذه الجبهات، فالخصوم لم يختفوا وإنما يغيرون أساليبهم ويعيدون بناء قدراتهم وينتظرون الفرصة التالية"، موضحة أن "الانتصار في الشرق الأوسط لا يمثل نهاية الصراع بل يهيئ ظروفا أفضل لجولة قادمة".
وختمت تقريرها بالإشارة إلى أن "أهم دروس السابع من أكتوبر، أن إسرائيل ينبغي أن تبقى دائما الطرف المبادر، على المستويات التكتيكية والعملياتية والتكنولوجية والسياسية والإستراتيجية؛ فلا تنتظر التهديد القادم، بل تسعى إلى تشكيله مسبقا، وهذه ليست فقط السبيل لكسب الحرب الحالية، بل أيضا لضمان تسليم الجيل القادم واقعا أمنيا أفضل من ذلك الذي تسلمه الجيل الحالي".

