استهداف الشرطة استمرارٌ لجريمة الإبادة ومحاولة صهيونية لإغراق غزة في الفوضى
السياسية - وكالات:
في ظلّ استمرار "الهدنة الهشّة" التي أُعلن عنها منذ أكثر من ثمانية أشهر، تُواصل آلة الحرب الإسرائيلية استهدافها المنهجي لأجهزة الأمن المدنية في قطاع غزة، فيما يُشكّل استمراراً لسياسة الإبادة الجماعية التي مارستها طوال فترة الحرب، ومحاولة يائسة لإغراق المجتمع الفلسطيني في دوامة الفوضى والفلتان الأمني.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن القصف طال مقرات الشرطة ومراكزها ودورياتها في مختلف محافظات القطاع المحاصر، في محاولة واضحة لشل مؤسسات الأمن المدني وتمهيداً لفرض واقع جديد لا سلطة فيه ولا نظام.
وفي وقت يحتاج فيه الناس في غزة إلى الأمن والحماية أكثر من أي وقت مضى، تتعمد قوات العدو استهداف حماة الأمن، إذ تحول رجال الشرطة وضباطها إلى أهداف مباشرة لطائرات العدو وصواريخه.
في الساعات الأولى من يوم الخميس 13 أغسطس 2026، استهدفت طائرات العدو الإسرائيلي مركبة العقيد جمال محمود أبو كميل (43 عاماً)، مدير شرطة محافظة غزة، على شارع الرشيد جنوب غربي مدينة غزة، ما أدّى إلى استشهاده على الفور وإصابة اثنين من مرافقيه.
ويأتي هذا الاغتيال بعد أقل من ثلاثة أسابيع على استشهاد مدير شرطة محافظة شمال غزة العميد عبد الناصر المقادمة في غارة إسرائيلية في حي الشيخ رضوان، وقبله اغتيال مدير مركز شرطة مخيم جباليا وبرفقته 6 من الضباط والعناصر.
لم يكن اغتيال "أبو كميل" حادثاً معزولاً، بل هو جزء من نمط استهداف ممنهج ومتعمد لرجال الشرطة المدنيين في غزة. فقد سجّل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) منذ يناير 2026 وحده ما لا يقل عن 12 هجوماً استهدفت الشرطة، أسفرت عن مقتل 53 مدنياً على الأقل، من بينهم 35 شرطياً و5 أطفال وامرأة واحدة.
فيما قالت وزارة الداخلية في قطاع غزة في 25 يوليو، إن 53 من قادة وضباط وعناصر الشرطة، استشهدوا جراء استهدافات مباشرة شملت مقار الشرطة ودورياتها ومركباتها، وعناصرها، منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.
ودعت المجتمع الدولي والدول الوسيطة إلى التحرك العاجل، وممارسة الضغط على الكيان الإسرائيلي لوقف استهداف جهاز الشرطة، مؤكدة أنه جهاز مدني محمي بموجب القانون الدولي ويؤدي واجبه في حفظ الأمن وتسيير شؤون المواطنين في القطاع.
وبعد اغتيال العقيد جمال أبو كميل، زعم جيش العدو أنه استهدف في خانيونس قائد سرية من الجناح العسكري لحركة حماس، مدعيا أنه "كان يخطط لتنفيذ هجمات" ضد قواته العاملة في قطاع غزة.
"داخلية غزة": تصعيد خطير يستهدف إحداث الفوضى
وأكدت وزارة الداخلية في قطاع غزة، أمس الخميس، أن اغتيال العدو الإسرائيلي، مدير مركز شرطة محافظة غزة يُشكّل تصعيداً خطيراً ويعكس إصرار العدو على مواصلة استهداف مفاصل العمل الشرطي المدني في قطاع غزة ضمن محاولات إحداث الفوضى داخل المجتمع الفلسطيني.
وأدانت "داخلية غزة"، في بيان، الجريمة الجديدة للعدو الإسرائيلي باغتيال مدير شرطة محافظة غزة. وأكدت أن العدو الإسرائيلي يستهدف بهذه الجرائم ضرب جهود الوسطاء وعرقلة مساعي التهدئة.
وأوضحت أن "هذه الجريمة غير المبررة تأتي ضمن الانتهاكات المتواصلة من العدو الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار، وفي الوقت الذي تسعى فيه جميع الأطراف لتثبيت الاتفاق".
واعتبرت هذه الجريمة "انتهاكا صارخا للقانون الدولي الذي يجرم استهداف جهاز الشرطة باعتباره جهاز حماية مدنية".
وأضافت أنها "تأتي بعد أقل من 3 أسابيع على جريمة اغتيال مدير شرطة محافظة شمال غزة، ومن قبلها جريمة اغتيال مدير مركز شرطة مخيم جباليا شمالي القطاع وبرفقته 6 من الضباط والعناصر".
من جانبه، أكد المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، أن استمرار العدو الإسرائيلي في اغتيال واستهداف عناصر الشرطة الفلسطينية يعكس مخططًا واضحًا لنشر الفوضى وإحداث حالة من الفلتان الأمني داخل المجتمع الفلسطيني.
وأوضح الثوابتة، في تصريح صحفي، أن جهاز الشرطة جهاز مدني، تضطلع عناصره بمهام حفظ الأمن المجتمعي وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، مشددًا على أن الاستهداف المتكرر والممنهج لكوادره يهدف إلى ضرب الجبهة الداخلية وتقويض عمل الأجهزة المدنية التي تعمل على الحفاظ على استقرار المجتمع وتسيير شؤون الحياة اليومية، وفق موقع فلسطين أونلاين.
وأضاف أن الجرائم المتواصلة بحق الطواقم الشرطية والمدنية تمثل دليلًا على أن العدو الإسرائيلي لا يبحث عن أي أفق للتهدئة، بل يسعى إلى إطالة أمد الصراع واستمرار حرب الإبادة وآلة القتل بحق الشعب الفلسطيني، في تجاهل للقوانين والأعراف التي توفر الحماية للأجهزة المدنية.
وقال عضو المكتب السياسي لحركة "حماس" ورئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية في الحركة، باسم نعيم، إن ما قام به جيش العدو الإسرائيلي من اغتيالات في قطاع غزة، خاصة اغتيال مدير شرطة المدينة، يمثل رسالة بالنار لضامني الاتفاق.
وأضاف نعيم أن هذه الاغتيالات تؤكد ما أعلنه رئيس وزراء العدو الإسرائيلي مجرم الحرب “بنيامين نتنياهو” من رفض لخارطة الطريق التي فاوض ممثلو مجلس السلام الفصائل عليها، وفق المركز الفلسطيني للإعلام.
وأشار إلى أن الفصائل قبلت خارطة الطريق رغم قسوتها، معتبراً أن استمرار هذه المعادلة يعني الرضوخ لأجندة “نتنياهو” الانتخابية.
المقاومة تدين وتُحمّل أمريكا وملادينوف المسؤولية
وفي ردود فعل فصائل المقاومة، حمّلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الإدارة الأمريكية وممثل ما يسمّى "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف، المسؤولية عن تصعيد العدو الإسرائيلي المتواصل في قطاع غزة، وانتهاكاته التي لا تتوقف لاتفاق وقف إطلاق النار.
وحملت "الشعبية" في بيان: " الإدارة الأمريكية وملادينوف المسؤولية عن التصعيد الصهيوني المتواصل لقطاع غزة، وما يرافقه من قصف واغتيالات واستهداف للمدنيين، وانتهاكات متكررة لاتفاق وقف العدوان على قطاع غزة".
كما حمّلت لجان المقاومة في فلسطين، الإدارة الأمريكية ومبعوث ما يسمى "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف، المسؤولية الكاملة عن التصعيد الصهيوني المتواصل في قطاع غزة، وما يرافقه من قصف واغتيالات وانتهاكات متكررة للاتفاقات.
وطالبت اللجان، في تصريح صحفي، ملادينوف بالخروج من حالة الصمت، وتحميل العدو الصهيوني ورئيس حكومته مجرم الحرب والمطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بنيامين نتنياهو، بشكل واضح وصريح، المسؤولية الكاملة عن تقويض الاتفاقات وإفشال جهود التهدئة، وعدم الاكتفاء بمواقف عامة لا ترقى إلى مستوى خطورة ما يجري على الأرض.
أما حركة الأحرار الفلسطينية، فقد أدانت بأشد العبارات اغتيال العقيد جمال محمود أبو كميل، مدير شرطة محافظة غزة، محملةً العدو الصهيوني المسؤولية الكاملة عن الجريمة وتداعياتها.
وأكدت الحركة، في تصريح صحفي، أن دماء أبو كميل وأبناء الشعب الفلسطيني لن تكون ثمنًا لتهرب العدو من التزاماته، مشيرة إلى أن تصعيد عمليات الاغتيال بحق الفلسطينيين يمثل محاولة للضغط على المقاومة والالتفاف على الوسطاء وتخريب مسار التفاهمات.
كذلك، أدانت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) الجريمة، واعتبرتها امتدادًا للجرائم الوحشية التي يرتكبها العدو بحق الشعب الفلسطيني، ومحاولة لبث الفوضى والفلتان في قطاع غزة.
وأكدت الحركة، في تصريح صحفي، أن هذه الجريمة تعبّر عن حقيقة سياسات العدو الهادفة إلى استمرار حرب الإبادة وتعميق الكارثة الإنسانية في القطاع وإدخاله في حالة من الفوضى، واصفةً إياها بأنها «جريمة حرب مكتملة الأركان».
مكاسب انتخابية وعرقلة المفاوضات
إلى ذلك، قال أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، الدكتور رائد أبو بدوية، إن الغارات والعمليات العسكرية التي ينفذها العدو الإسرائيلي في قطاع غزة تأتي في إطار سعي رئيس حكومة العدو مجرم الحرب المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية، بنيامين نتنياهو، لتحقيق مكاسب انتخابية وعرقلة التوصل إلى اتفاق ضمن المسار التفاوضي.
وأوضح أبو بدوية، في تصريح لوكالة "شهاب للأنباء" الفلسطينية، أن الكيان الإسرائيلي يحاول إبقاء مسارين متوازيين، أحدهما تفاوضي يتحدث عن التهدئة، والآخر عسكري يحتفظ من خلاله بحق تنفيذ الضربات والاغتيالات، ما يجعل أي اتفاق عرضة للهشاشة.
وأشار إلى أن قرارات نتنياهو تحكمها حسابات انتخابية داخلية، بهدف إظهار عدم تقديم تنازلات، حتى على حساب تداعيات ذلك إقليمياً ودولياً.
وأضاف أن تواصل الغارات يهدد بإهدار الجهود السياسية الإقليمية والدولية المبذولة للدفع نحو التهدئة، ويضعف الثقة بالمسار السياسي، بما قد يفتح الباب أمام جولات جديدة من التصعيد.
وأكد كتاب ومحللون سياسيون وخبراء قانونيون فلسطينيون أن اغتيال مدير شرطة محافظة غزة العقيد جمال أبو كميل ومرافقَين له، يأتي في إطار مخطط يستهدف ضرب الاستقرار المدني وإثارة الفوضى وتقويض قدرة المؤسسات المدنية على ضبط الأمن والسلم الأهلي في القطاع.
وقال الكاتب والمفكر السياسي الفلسطيني، عدنان الصباح، في حديث لوكالة 'شهاب" الفلسطينية، إن استهداف الكوادر الشرطية والأمنية المدنية يهدف إلى إحداث فراغ أمني واجتماعي، وكسر حالة التماسك الداخلي التي حافظ عليها المجتمع الفلسطيني رغم الحرب والدمار، مشيراً إلى أن استمرار تماسك القطاع يمثل إخفاقاً للمخططات الرامية إلى تفكيك الجبهة الداخلية.
من جانبه، أكد الخبير والمستشار القانوني، أسامة سعد، أن أفراد الشرطة المدنية المكلفين بإنفاذ القانون يتمتعون بالحماية المقررة للمدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني، ما لم يشاركوا في الأعمال القتالية أو يندمجوا في وحدات عسكرية.
وأشار سعد إلى أن تكرار استهداف رجال الشرطة وقادتها يمثل انتهاكاً للحماية القانونية المقررة لهم، داعياً الوسطاء إلى ممارسة ضغط مباشر لوقف الاعتداءات، وإحالة هذه الانتهاكات إلى المحكمة الجنائية الدولية.
بدوره، اعتبر الكاتب السياسي والباحث الأمني، هلال نصار، أن تصاعد عمليات الاغتيال في قطاع غزة يمثل خرقاً لشروط وقف إطلاق النار وخطوات تثبيته، مؤكداً أن استهداف القيادات الشرطية المدنية يهدف إلى ضرب مفاصل الإدارة المدنية وإغراق القطاع في حالة من الفوضى والفلتان.
نمط شبه متكرر
من جهته، قال الكاتب، عبدالرحمن أبو الغيط، في مقال على موقع "الجزيرة نت" ، إن تتابع الأحداث يكشف عن نمط شبه متكرر يبدأ باستهداف طائرات العدو لعناصر الشرطة في المناطق القريبة مما يسمى بـ"الخط الأصفر" - الخاضع لسيطرة قوات العدو - يعقب ذلك تسلل عصابات العملاء لتنفيذ عمليات أمنية لصالح العدو تشمل محاولة اغتيال أو اختطاف مقاومين أو أفراد من الشرطة وحتى نازحين مدنيين.
ويحذر خبراء وفصائل فلسطينية من أن استهداف العدو المكثف لأفراد الشرطة الفلسطينية، وبالتزامن مع تصاعد أنشطة العصابات في مختلف مناطق قطاع غزة، محاولة لنشر فوضى أمنية واسعة في القطاع، وسط تهديدات سياسية وعسكرية إسرائيلية بالتخطيط لاستئناف الحرب على قطاع غزة.
وفي تحليل له على قناة الجزيرة، يقول الخبير العسكري والإستراتيجي ، العقيد حاتم كريم الفلاحي ، إن "استهداف إسرائيل مراكز الشرطة في غزة، يعكس توجّها مدروسا لضرب أي بنية أمنية قائمة، ومنع تشكّل واقع إداري مستقر داخل القطاع".
ويضيف الفلاحي، أن "إسرائيل تعتبر أجهزة الشرطة امتدادا للإدارة المحلية السابقة في غزة، وترفض بقاء أي تشكيل أمني لا يخضع لترتيبات جديدة، مفضّلة فرض ما تسميه "قوة استقرار" بآلية مختلفة وبشروط أمنية مشددة".
وبيّن أن "إسرائيل ترى أن وقف إطلاق النار فُرض عليها دوليًا دون أن تحقق أهداف الحرب، وعلى رأسها تصفية قيادات وضعتها على قوائم الاغتيال، إضافة إلى فشلها في نزع سلاح فصائل المقاومة".
ويرى الخبير العسكري، أن "هذا السيناريو مرشح للاستمرار في ظل استخدام العدو الإسرائيلي للقوة لإجبار المقاومة على تقديم تنازلات بعد أن فقدت أوراق ضغط رئيسية وفي مقدمتها ملف الأسرى، مما ينذر بمزيد من الخسائر الإنسانية".
إن استهداف الشرطة المدنية في غزة ليس مجرد عمل عسكري، بل هو استمرار لسياسة الإبادة الشاملة التي تستهدف كلّ مكوّنات الحياة المدنية في القطاع.

