السياسية || محمد محسن الجوهري*


إلى جانب الدلالات والمقاصد العظيمة للمولد النبوي الشريف مثل الوحدة الإسلامية والاعتصام بحبل الله والاحتفال برحمة الله وفضله والتي من تقوى القلوب، هناك أيضاً فضيلة لا تقل عن كل ذلك أهمية وهي أن المولد في حد ذاته والاحتفاء به من المواقف التي تغيظ الكفار والمنافقين، وفي كل موقف أو خطوة نخطوها وهي تغيظهم أجر كبير من الله سبحانه وتعالى.

لقد ربط القرآن الكريم بين المواقف التي تُظهر عزة الإسلام وقوة المسلمين وتماسكهم، وبين حالة الغيظ التي تصيب الكفار والمنافقين، فالعزة الإيمانية ليست شعوراً داخلياً مفصولاً عن الواقع، بل هي سلوك عملي ومواقف ظاهرة يُقصد بها إغاظة الخصوم وإدخال الهم والحزن على قلوب أعداء الدين. ويبرز ذلك جلياً في قوله تعالى في وصف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم ومواقفهم التي تجمع بين الرحمة فيما بينهم والعزة أمام أعدائهم: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التورات ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شآطه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً)، حيث تتجلى الغاية الإلهية من قوة هذا الزرع ونموه في إغاظة الكفار، وكلما أظهر المسلمون مظاهر الارتباط بنبي الله ودينهم كلما تجدد هذا الغيظ في صدور المتربصين، وإحياء المولد النبوي بأبهى حلل الفرح والتعظيم هو مظهر من مظاهر هذا الزرع الذي ينمو ويثمر عزة ومنعة.

والمتأمل للواقع المعاصر يرى بوضوح كيف تتجسد هذه الحقيقة القرآنية في مواقف الأعداء والمنافقين من فعاليات المولد النبوي الشريف، وذلك من خلال الحملات الإعلامية الممنهجة التي تشنها المنصات المشبوهة والأقلام المأجورة كل عام للتشكيك في مشروعية الاحتفال والتقليل من شأنه، ومحاولات طمس الهوية المرتبطة بالنبي عبر إحلال المناسبات الاستهلاكية أو الغربية مكانه، وهذا الانزعاج من إحياء المولد النبوي الشريف ينبع من أسباب جوهرية ترتبط بطبيعة الصراع الفكري والنفسي والحضاري بين الإيمان والكفر، فمن أبرز هذه الأسباب السعي لإبقاء جذوة الارتباط بالرسول حية في وجدان الأمة، وإحباط مشاريع التغريب والسلخ الثقافي التي تنفق فيها الدوائر الاستعمارية مليارات الدولارات، إضافة إلى إظهار الوحدة والقوة المجتمعية والتكافل عبر التجمعات الحاشدة التي ترهب الأعداء الذين يحبون أن يروا المسلمين ممزقين وضعفاء، فضلاً عن إحياء روح الأباء والرفض للظلم والطغيان المستوحاة من سيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي المقابل يقف الإقبال الجماهيري المليوني المنقطع النظير كشاهد حي ورد عملي صارخ على كل محاولات الإبعاد والإقصاء، حيث تخرج الحشود ترفع الرايات وتنشد المدائح وتوزع الصدقات في مشاهد تملأ قلوب المؤمنين بهجة وقلوب الأعداء غيظاً وحسرة، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى وعدله وحكمته أنه جعل لكل عمل يقصد به وجهه ونصرة دينه وإعلاء كلمته وإغاظة أعدائه أجراً جزيلاً وثواباً عظيماً، وقد دلت النصوص الشرعية على أن ما يغيظ الكفار والمنافقين هو عمل صالح يثاب عليه المسلم، كما في سورة التوبة في سياق الحديث عن الجهاد في سبيل الله بقوله تعالى: (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلًا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين).

فالخطوة والموطئ والحركة والموقف الذي يتحقق من ورائه إغاظة الكفار قد رتب الله عليه جزاءً عظيماً وهو كتابة ذلك عملاً صالحاً مع تأكيد ذلك بقوله (إن الله لا يضيع أجر المحسنين)، وإحياء المولد النبوي الشريف هو موطئ عملي واجتماعي وإيماني عظيم تتحرك فيه الأجيال وتجتمع فيه الحشود، وكل خطوة تخطى في هذا السبيل تعظيماً لله وحباً لرسوله وإغاظة لأعدائه هي خطوة مشمولة بهذا الوعد الإلهي الصادق يكتبها الله عملاً صالحاً في صحائف المؤمنين.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب