السياسية ـ وكالات:


قالت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن الإمارات تنفذ استراتيجية مزدوجة تقوم على إعادة تنشيط علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع إيران، بالتوازي مع تسريع شراكاتها الدفاعية مع الولايات المتحدة و"إسرائيل"، في محاولة لتحقيق توازن بين مصالحها التجارية ومتطلبات أمنها الإقليمي، وذلك في أعقاب أشهر من التصعيد العسكري الذي شهدته المنطقة.

وأضافت الصحيفة، في تقرير موسع بعنوان “مناورة الإمارات الجريئة مع إيران”، أن أبوظبي تراهن على الجمع بين الانفتاح الاقتصادي على طهران وتعزيز قدراتها الدفاعية، معتبرة أن هذه المقاربة تعكس توجهاً يهدف إلى حماية موقع الإمارات كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار، مع الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع شركائها الغربيين.

وأوضحت أن النشاط التجاري بين الإمارات وإيران بدأ يستعيد زخمه تدريجياً، مع استئناف حركة السفن الخشبية التقليدية بين موانئ دبي والمدن الساحلية الإيرانية، وعودة الرحلات الجوية التجارية المباشرة، إلى جانب استعادة المؤسسات المالية في دبي نشاطها الكامل بعد أشهر من التوترات الأمنية التي أثرت على حركة الأعمال.

وذكرت الصحيفة أن هذه السياسة جاءت بعد خمسة أشهر من الاضطرابات التي شهدت هجمات إيرانية بالطائرات المسيرة والصواريخ على حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، قبل التوصل إلى مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران ساهمت في تمديد هدنة مؤقتة وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية.

وأضافت أن السلطات الإماراتية سمحت بعودة نحو 20 ألف إيراني كانوا يقيمون في الدولة وغادروها خلال فترة القتال، بالتزامن مع استئناف حركة الملاحة التجارية والرحلات الجوية بين البلدين، في خطوة اعتبرتها الصحيفة مؤشراً على رغبة أبوظبي في إعادة تنشيط العلاقات الاقتصادية مع طهران.

وبحسب التقرير، ترى الإمارات أن استمرار الروابط الاقتصادية مع إيران يمنح الأخيرة مصلحة مباشرة في الحفاظ على استقرار طرق التجارة وخطوط الملاحة، بما يسهم في الحد من احتمالات التصعيد العسكري الذي قد يهدد الاقتصاد الإقليمي وسلاسل الإمداد الدولية.

وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان أوكل ملف خفض التصعيد مع إيران إلى ثلاثة مسؤولين كبار، بينهم مستشار الأمن الوطني الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، موضحة أن الجهود شملت إجراء محادثات مباشرة مع مسؤولين إيرانيين لبحث سبل احتواء التوتر وتعزيز قنوات التواصل.

ونقلت عن الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله قوله: “جاءت إيران وقالت: لنتحدث، وسيكون من الحماقة رفض ذلك عندما يبادر خصمك إلى الحوار”، مضيفاً أن الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع إيران يمثل أهمية خاصة بالنسبة لدبي التي ترتبط مصالحها التجارية بشكل وثيق بحركة الواردات والتبادل التجاري مع الأسواق الإيرانية.

وفي المقابل، أكدت الصحيفة أن أبوظبي تواصل تعزيز قدراتها الدفاعية بصورة متسارعة، مشيرة إلى أنها تعتمد بشكل متزايد على الأنظمة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية لحماية بنيتها التحتية والمنشآت الحيوية في ظل استمرار التوترات الإقليمية.

وأضافت أن إسرائيل زودت الإمارات، خلال ذروة المواجهة العسكرية الأخيرة، بمنظومات دفاعية، بينما توسع التعاون الأمني بين الجانبين ليشمل مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي وحماية البنية التحتية للموانئ، لافتة إلى أن حجم السفارة الإسرائيلية في أبوظبي تضاعف خلال الأشهر الماضية بالتزامن مع توسع مجالات التعاون بين الطرفين.

كما ذكرت الصحيفة أن الولايات المتحدة عززت بدورها تعاونها الدفاعي مع الإمارات، من خلال توسيع إمكانية حصولها على معدات عسكرية متطورة ومعالجات متقدمة للذكاء الاصطناعي، في إطار دعم الشراكة الأمنية بين البلدين وتقديراً للدور الذي لعبته أبوظبي خلال الأزمة الأخيرة.

وأوضحت أن الإمارات تحاول في الوقت ذاته اتباع مسار مستقل عن حلفائها الغربيين، إذ تؤكد أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن عمليات عسكرية ضد إيران، رغم استمرار تعاونها الدفاعي الوثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما اعتبرته الصحيفة محاولة للموازنة بين متطلبات الأمن ومصالح الاقتصاد.

وأضافت أن استقرار الإمارات يمثل عنصراً أساسياً للتجارة الإقليمية والدولية، خصوصاً مع الدور المحوري الذي يؤديه ميناء جبل علي في حركة الشحن العالمية، حيث ترتبط به سلاسل الإمداد الممتدة إلى دول الخليج وشرق أفريقيا، ما يجعل الحفاظ على أمن الممرات البحرية أولوية استراتيجية بالنسبة لأبوظبي.

وأشارت الصحيفة إلى أن الإمارات تعمل كذلك على تقليل اعتمادها على مضيق هرمز، موضحة أن شركة أدنوك تسرع تنفيذ مشروع لزيادة الطاقة التصديرية عبر ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب، بما يسمح بتجاوز المضيق في جزء من صادرات النفط.

وأضافت أن شركة “موانئ دبي العالمية” تنفذ أيضاً مشاريع لإنشاء محطتين جديدتين في المنطقة، بالتوازي مع دراسة خطط لدفن خطوط أنابيب النفط ومراكز البيانات المستقبلية تحت الأرض، بهدف تعزيز حمايتها من أي هجمات محتملة أو اضطرابات أمنية.

واعتبرت الصحيفة أن النهج الذي تتبعه أبوظبي قد يمثل نموذجاً جديداً للدبلوماسية في الشرق الأوسط، يقوم على تعزيز الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع الخصوم، بالتوازي مع الحفاظ على قدرات الردع العسكري وتوسيع الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ونقلت في ختام التقرير عن الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إميل حكيم، قوله إن الإمارات “تجد نفسها في وضع صعب، إذ تملك هامشاً محدوداً للتأثير في التطورات التي ستحدد أمنها وازدهارها بصورة كبيرة”، مشيراً إلى أن التوازن بين الانفتاح الاقتصادي وتعزيز التحالفات الأمنية سيظل أحد أبرز التحديات التي تواجه السياسة الإماراتية خلال المرحلة المقبلة.