التسمية الأنسب للريال اليمني
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تُشير المعاجم اللغوية والاشتقاقات اللاتينية إلى أن لفظة «ريال» (Real) تعني في أصلها «الملكي»، وهي تسمية استعارها العرب عن الأوروبيين. وكان المعنيّ بها في المنطقة العربية إبان العصر الحديث هو "ريال ماريا تريزا" الذي شاع باسم "الريال الفرنسي". وعلى هذا النسق صك العرب نقودهم واستعملوا اللفظ ذاته دون التفاتٍ لمدلوله السياسي الذي يُكرّس السلطة السيادية المطلقة.
لكن المفارقة الناشزة—والتي تكاد تكون حكراً على التجربة اليمنية—تكمن في انتقال هذا اللفظ "الملكي" إلى صلب النظام النقدي لدولة تُعرّف نفسها بأنها "جمهورية"! إذ تحوّلت البلاد من النظام الملكي إلى العهد الجمهوري دون أن تمسّ اسم العملة أو تستبدلها بتسمية تعبر عن وجهها الجديد.
وهذا التغاضي لا يُعدّ مجرد سهوٍ شكلي، بل يكشف عمقاً عن أن الرعيل الأول من الثوريين لم يتشربوا مضامين "الثقافة الجمهورية" بمفهومها المؤسسي الشامل؛ إذ اختُزلت الثورة لدى بعضهم في البُعد الانتقامي ضد أسرة بعينها، دون إدراك حقيقي لمقتضيات الدولة الحديثة. وكان الأحرى بفكر ثوري أصيل أن يُطيح بالرمزية الملكية للعملة ويستبدلها بما يتناغم مع الهوية الوطنية الجديدة.
ولأن الشعوب تمتلك حسّها اللغوي والسياسي البديل، فقد ابتكر الشارع اليمني—خاصة في المناطق الشمالية—توصيفاً تلقائياً للتفريق بين عملته والريال السعودي، فأطلقوا عليها «جمهوري». وسرعان ما تحول هذا اللفظ العفوي إلى اسمٍ شائع يتردد على الألسنة.
وليس في التخلي عن الأسماء المستوردة أي غضاضة؛ فالعديد من الأمم عبر التاريخ استحدثت رموزها النقدية لتعبّر عن جغرافيتها وثقافتها السياسية مثل
جنوب أفريقيا التي أطلقت على عملتها اسم «الراند» (Rand) نسبة إلى سلسلة جبال "ويتواترسراند" الغنية بالمناجم والذهب، وزامبيا التي اختارت اسم «الكواشا» (Kwacha)، والتي تعني بلغة النيانجا "الصباح" أو "بزوغ الفجر"، رمزا لعهدهم الحر.
وبالتالي فإن اتخاذ الخطوة نحو اعتماد لفظ «جمهوري» مسماً رسمياً للعملة اليمنية بدلاً من «الريال» هو تصحيحٌ لمسارٍ سياسي وهوياتي طال انتظاره؛ فهذا الاسم يُجسّد —على الأقل— جوهر النظام السياسي المفترض ويعكس هوية الدولة المستقلة. غير أن أزمة التسمية في المشهد اليمني لا تقف عند حدود المفهوم الاقتصادي، بل تصطدم بالواقع السياسي المعقد؛ إذ إن أي تحرك رسمي لإقرار هذه التسمية سيواجه فوراً بموجة حادة من الرفض والاستنكار. وأول من سيسارع إلى التنديد بهذا التغيير والجدل حوله هم أولئك القابعون في عواصم الشتات كـ «الرياض»، ممن يقتصر حضورهم السياسي على التباكي الشعاري على «الجمهورية» دون امتلاك الإرادة الحقيقية لتجسيد قيمها ومؤسساتها على أرض الواقع. وهذا التناقض يكشف الفجوة العميقة بين النخبة التي تتغنى بالجمهورية كشعارٍ سياسي للحفاظ على مكتسباتها، وبين الحقيقة الميدانية التي تتطلب شجاعةً في اتخاذ القرار وتأصيلاً للسيادة الوطنية بدءاً من اسم العملة التي يحملها كل مواطن.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

