السياسية || محمد محسن الجوهري*

لا تدعُ المقولة القائلة بأن منطقة مصير مستقبلها مرتبط بمزاج الناخب الإسرائيلي والأمريكي، هي منطقة غارقة في مستنقع الخطيئة والتبعية وتمارس أقذر درجات الزنا السياسي بحق إرادتها التي بيعت في أسواق النخاسة، إلى مجرد التأمل البلاغي أو الشغف بالتعبير القاسي، بل إنها توفر تشخيصاً جيوسياسياً بالغ الدقة والصرامة لأزمة القرار الحرة في الشرق الأوسط، حيث تضع يدها مباشرة على الجرح النازف لأمة كُفّت يدها عن رسم خريطتها وتخلت عن حقها المشروع في صناعة مستقبلها لترتهن نهائياً لتقلبات صندوق الاقتراع في واشنطن وتوازنات الائتلافات الحزبية في تل أبيب.

تتجلى هذه الأزمة أولاً في الارتهان المباشر والمطلق لمجموع تحولات الساحة الانتخابية الغربية والإسرائيلية، إذ أصبحت القرارات المصيرية المتعلقة بمسارات الحرب والسلم والتنمية والسيادة تُصاغ بعيداً عن العواصم التاريخية للمنطقة، لتُفصل بدلاً من ذلك وفقاً للأجندات الانتخابية والمصالح الضيقة للأحزاب المتنافسة في الخارج. تظهر الشواهد السياسية كيف تتغير المقدرات الإقليمية بين عشية وضحاها تبعاً لهوية الساكن الجديد للبيت الأبيض، فعندما انتقلت الإدارة الأمريكية من استراتيجية الضغط الأقصى والانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني عام ألفين وثمانية عشر إلى رعاية اتفاقيات إبراهيمي ورُبطت ملفات مبيعات الأسلحة الاستراتيجية بالمكاسب الانتخابية للداخل الأمريكي، وُجدت المنطقة برمتها تساق نحو موجات جديدة من التصعيد والتحالفات الاضطرارية دون أن تملك منظوماتها السياسية أي قدرة على التعديل أو التأثير.

يمتد هذا الارتهان ليشمل حسابات البقاء السياسي داخل الكنيست الإسرائيلي، حيث أصبح القرار العسكري ميدانياً في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان أداة لترضية أحزاب اليمين المتطرف وضمان استمرار الائتلافات الحكومية، ليتأكد بذلك أن حقوق الشعوب واستقرارها باتت مجرد مكاسب انتخابية وأوراق مراهنة في الحملات السياسية الإسرائيلية.

ينبع هذا الوضع المتدهور من مستنقع عميق من التبعية والعجز الهيكلي عن إنتاج مشروع قومي أو إقليمي مستقل، حيث آثرت الأطراف الاستقواء بالمظلات العسكرية الغربية واستيراد أمنها بدلاً من بنائه عبر التفاهمات الذاتية والتكامل الشامل. إن الاعتماد المفرط على القواعد الأجنبية والدعم العسكري المباشر يجعل القرار السيادي مجرداً من فاعليته، إذ تظل الترسانات التسليحية الضخمة مكبلة بشروط الاستخدام الغربية وموافقة المؤسسات الدفاعية في واشنطن، مما يخلق حالة من الشلل الاستراتيجي عند مواجهة الاستحقاقات المصيرية.

هذا الانفصام الناتجة عنه ممارسات التبعية يمثل أوج السقوط الأخلاقي والسياسي، حيث تتسع الفجوة إلى حدود هائلة بين الخطابات المعلنة للشعوب والممارسات الفعلية في الغرف المغلقة. فبينما تُرفع شعارات الالتزام بالقضايا المبدئية وحماية السيادة أمام الجماهير، تُعقد في خفاء الغرف المظلمة صفقات تسوية وتنازلات مجانية وتنسيقات أمنية واسعة النطاق مع ذات الأطراف التي تعتدي على الإرادة الشعبية وتنتهك حقوقها، مما يكرس حالة من تجريف المبادئ الوطنية والتضحية بالثوابت التاريخية لحساب بقاء السلطة أو تحقيق مكاسب ضيقة.

تكتمل صورة هذا المشهد بتحويل الإرادة والمواقف السيادية إلى مجرد سلع تباع وتشتري في أسواق النخاسة والمزايدات الدولية، حيث شهدت السنوات الأخيرة مقايضة صريحة لقرارات سيادية مصيرية مقابل الحصول على صفقات أسلحة أو رفع من قوائم معينة أو نيل شريعة ومساندة خارجية. وفي ظل هذا المشهد، تراجعت المنظومات الإقليمية الجامعة وتحولت إلى هياكل صورية عاجزة عن اتخاذ قرار واحد يحمي أعضاءها أو يفرض خطوطاً حمراء في الميدان، لتصبح مجرد صالات عرض تُساق فيها المواقف وتُفرغ من مضمونها.

إن هذا التوصيف الحاد لا يقف عند حدود القسوة اللفظية، بل يمثل مرآة حقيقية تدعو إلى مواجهة الواقع دون تجميل، إذ إن ارتهان مصير أمة بكاملها لمزاج ناخب في ولاية أمريكية أو مستوطن في ائتلاف حزبي يمثل أقصى درجات الإفلاس السياسي، ولن تتمكن المنطقة من الخروج من هذا المستنقع واسترداد إرادتها السليبة إلا عندما تملك الجرأة لبناء مشروعها الإقليمي المستقل القائم على الاعتماد الذاتي والإرادة الشعبية الحقيقية وتجاوز حالة النخاسة لصالح سيادة كاملة وغير قابلة للمساومة.




* المقال يعبر عن رأي الكاتب