بثينة عليق*



من المؤكد أن الأمين العام لحزب الله، السيد الشهيد حسن نصر الله، كان من الشخصيات القليلة في تاريخ لبنان الحديث التي شكّلت حياتها ومواقفها وخياراتها تعبيراً واضحاً عن الإيمان بالهوية الوطنية اللبنانية، في بلد عانى طويلاً من صعوبة بناء هوية وطنية جامعة تتقدّم على الهويات والانتماءات الفرعية.

فولادة دولة لبنان الكبير لم تكن ولادة سهلة. لقد جاءت في لحظة تاريخية شديدة التعقيد أعقبت انهيار السلطنة العثمانية ونهاية الحرب العالمية الأولى، وتنافست فيها مشاريع سياسية متعددة حول مستقبل المنطقة، وكانت حصة لبنان ضمن هذا التنافس بين مشروع الوحدة السورية أو العربية، في مقابل مشروع إنشاء كيان لبناني مستقل.

وتقدّم لجنة كينغ–كراين واحدة من أهم الصور عن طبيعة الآراء المختلفة التي سادت المكونات التي شكلت مناطقها جغرافيا لبنان المستقبلية.

وقد أظهرت العرائض والشهادات التي جمعتها اللجنة في العام 1919 تعدداً واضحاً في المواقف من مستقبل لبنان وأن مسألة لبنان وحدوده وعلاقته بسوريا كانت موضع انقسام حقيقي. بل إن اللجنة خلصت إلى أن مشروع «لبنان الكبير» بالشكل الذي كان مطروحاً آنذاك لم يكن يحظى بموافقة أكثرية السكان في جميع المناطق التي كان يُراد إدخالها فيه.

لكن الأحداث تسارعت بصورة حاسمة خلال العام التالي.

فقد أدّى احتلال الفرنسيين لدمشق إلى انهيار تجربة الحكم العربي.

ومع مرور السنوات انتقلت القوى اللبنانية الأساسية تدريجياً من النقاش حول أصل وجود الكيان إلى البحث عن موقع كل منها ودورها ومصالحها داخله.

وكانت دوافع هذا الالتقاء على لبنان متعددة. فقد رأى قسم واسع من المسيحيين، وفي مقدمتهم القوى المارونية التي دفعت باتجاه إنشاء لبنان الكبير، في الكيان اللبناني إطاراً يحفظ خصوصيتهم وحضورهم السياسي في محيط ذي غالبية إسلامية. ورأت قوى درزية أن المشاركة في النظام اللبناني الناشئ تتيح لها الحفاظ على حضور سياسي رغم كونها أقلية.

أما قطاعات واسعة من الشيعة، ولا سيما في جبل عامل، فلم تكن في البداية متحمّسة للمشروع اللبناني بالصورة التي طُرحت عام 1920، لكن انهيار المملكة العربية السورية وانحسار البدائل الوحدوية دفعا تدريجياً نحو التكيّف مع الدولة الجديدة والعمل للحصول على موقع ودور داخل مؤسساتها.

وبالنسبة إلى السنّة، ولا سيما في المدن الساحلية التي أُلحقت بلبنان الكبير، فقد بقيت النزعة الوحدوية العربية والسورية قوية خلال مرحلة من المراحل، قبل أن يتطور القبول بالكيان اللبناني وصولاً إلى التسوية الاستقلالية في الأربعينيات.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المكوّنات اللبنانية وصلت، بعد مخاض طويل، إلى نقطة تقاطع حول الدولة اللبنانية، ولكن الاتفاق على الدولة لم يكن يعني بالضرورة الاتفاق على هوية وطنية جامعة.

فقد بقيت الهويات الفرعية، وفي مقدمها الهوية الطائفية، شديدة الحضور، وبقيت الذاكرة التاريخية منقسمة إلى حد بعيد، بحيث احتفظت كل جماعة بروايتها الخاصة للتاريخ ولموقعها في الدولة ولعلاقتها بالمكوّنات الأخرى وبمحيط لبنان.

كما انعكس هذا الانقسام على مفهوم التضامن الوطني نفسه، وعلى الاستعداد لتقاسم الأعباء والمخاطر بين اللبنانيين. وقد ظهرت هذه الهشاشة بصورة واضحة في مراحل مختلفة من الاعتداءات والاحتلال الإسرائيلي للجنوب، حين لم يكن هناك دائماً شعور وطني موحد بأن ما يتعرض له جزء من الأرض والسكان هو قضية تعني اللبنانيين جميعاً بالقدر نفسه.

وتعزّز هذا الواقع بفعل إخفاق السلطات والنخب السياسية المتعاقبة، على مدى أكثر من ثمانية عقود، في استكمال شروط بناء الهوية الوطنية الجامعة.

وانعكس هذا النقص بصورة خاصة على واحدة من أكثر المسائل اتصالاً بأي هوية وطنية: تحديد من هو العدو ومن هو الصديق.

ولعلّ قضية المقاومة وسلاحها، التي تحتل منذ عقود مساحة واسعة من الجدل اللبناني، هي من أكثر القضايا ارتباطاً بمفهوم الهوية الوطنية وتأثراً بهذا الانقسام.

ومع ذلك، حظي لبنان خلال العقود الماضية بفرصة تاريخية كان يمكن، لو أُحسن استثمارها وطنياً، أن تختصر الكثير من المسافات في طريق بناء هذه الهوية الجامعة.

هذه الفرصة التاريخية تمثلت، إلى حد بعيد، في شخصية استثنائية هي شخصية الأمين العام لحزب الله السيد الشهيد حسن نصر الله، الذي تأثر عميقاً بفكر الإمام السيد موسى الصدر وتجربته ونظرته إلى لبنان وكلاهما قدّم

نموذجاً مختلفاً في تعريف الانتماء إلى لبنان، والدفاع عنه، والنظر إلى أرضه وشعبه وسيادته بوصفها كلاً لا يتجزأ.

فقد توافرت في مقاربة السيد نصر الله للبنان عناصر أساسية يمكن البناء عليها في تكوين هوية وطنية جامعة. إذ لم ينظر إلى لبنان من زاوية المصلحة المذهبية أو الطائفية الضيقة، بل تعامل معه بوصفه وطناً له قيمة تتجاوز مساحته الجغرافية المحدودة، وتقوم على مجموعة من الخصائص التي تمنحه فرادته ودوره.

ويمكن اختصار هذه الخصائص في ثلاثة أبعاد أساسية.

أولها، التعدد والتعايش بين الثقافات والمكوّنات والطوائف اللبنانية. وقد أولى السيد نصر الله هذا البعد أهمية كبيرة في خطابه وسمّاه " الفرادة اللبنانية" وهو بذلك كان يستكمل رؤية الإمام موسى الصدر الذي تعامل مع التنوع في لبنان بوصفه ثروة وطنية ينبغي حمايتها وتحويلها إلى مصدر غنى للبلد.

أما البعد الثاني فهو مساحة الحرية الواسعة التي تميّز بها لبنان مقارنة بعدد من أنظمة المنطقة. وهي ميزة رأى ضرورة الحفاظ عليها لأنها جزء من قيمة لبنان ومن النموذج الذي يمثله.

ويتصل البعد الثالث بدور لبنان الحضاري والثقافي بوصفه مساحة تلاقٍ وصلة وصل بين الشرق والغرب، وبين الإسلام والمسيحية، وبين ثقافات وأفكار واتجاهات سياسية متعددة. وهو دور ساعد الموقع الجغرافي للبنان وتركيبته الاجتماعية والثقافية وانفتاحه التاريخي على تكريسه.

وانطلاقاً من هذه النظرة، حرص السيد نصر الله في ممارسته السياسية على مراعاة التوازنات الدقيقة التي يقوم عليها لبنان. فرفض منطق الغلبة، وانطلق من قناعة مفادها أن لبنان لا يستطيع أن تحكمه جهة واحدة أو طائفة واحدة، وأن محاولة تحويل أي مكوّن إلى «طائفة حاكمة أو قائدة » من شأنها أن تهدّد الصيغة اللبنانية نفسها. وفي هذا المعنى يمكن قراءة مقاربته بوصفها امتداداً لفكرة أساسية في تجربة الإمام الصدر، الذي رفض خلال الحرب الأهلية منطق عزل المكوّنات اللبنانية، بما في ذلك رفضه عزل حزب الكتائب رغم الخلاف السياسي العميق معه.

وفي السياق نفسه جاءت سياسة التفاهمات التي اعتمدها السيد نصر الله مع قوى لبنانية تنتمي إلى بيئات سياسية وطائفية مختلفة، وكان من أبرزها التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحر عام 2006. فالفكرة الأساسية التي حكمت هذه المقاربة كانت تقوم على البحث عن مساحات مشتركة بين الجماعات اللبنانية.

وفي الوقت نفسه، لم يرَ السيد نصر الله تناقضاً بين الهوية الوطنية اللبنانية والانتماء العربي والإسلامي للبنان. فقد أعطى أهمية للبُعد القومي العربي، وحافظ على التواصل مع التيارات والشخصيات القومية العربية. وقد حرص على المشاركة في فعاليات المؤتمر القومي العربي والقومي–الإسلامي على مدى سنوات متتالية.

وبالتوازي مع ذلك، أولى السيد نصر الله أهمية خاصة للوحدة الإسلامية وللعلاقة بين السنّة والشيعة، في لبنان والمنطقة.

لم يكن تأكيد السيد نصر الله على الهوية العربية والإسلامية للبنان رفضاً لخصوصية علاقته بالغرب. ومن المحطات الدالة على ذلك حضوره افتتاح القمة الفرنكوفونية التاسعة التي انعقدت في بيروت في تشرين الأول 2002.

بهذا المعنى كان السيد نصر الله يتعامل مع لبنان باعتباره قيمة تتجاوز حجمه الجغرافي والديموغرافي.

هذه القيمة، في نظره، كانت تواجه تهديداً أساسياً يتمثل في المشروع الإسرائيلي الذي يقوم على تكريس "إسرائيل" كدولة قومية لليهود من خلال تهجير الفلسطينيين وسرقة ارضهم وإبادتهم، بينما تقوم الفكرة اللبنانية على التعدد والتنوع. من هذه الزاوية أكد السيد نصر الله مراراً أن "إسرائيل" تشكل نقيضاً للنموذج اللبناني.

واللافت أن ميشال شيحا، أحد أبرز منظّري اليمين اللبناني حذّر مبكراً من الخطر الذي يمثله قيام "إسرائيل" على لبنان. وقد تناول هذا الخطر في أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وربطه أيضاً بطبيعة الصيغة اللبنانية القائمة على التعدد. وقد استشرف مبكراً خطر المشروع الإسرائيلي العنصري واعتبره تهديداً لنموذج لبنان التعددي ولدوره كصلة وصل بين الشرق والغرب.

من هذا المنطلق يمكن قراءة تجربة المقاومة التي قادها السيد نصر الله باعتبارها عنصر قوة للبنان، وظيفتها حماية الأرض والسيادة، وبالتالي حماية الشروط التي تسمح باستمرار لبنان نفسه. فالمقاومة، وفق هذه المقاربة هي إحدى ضمانات بقاء الوطن الذي يُفترض أن يحصّن عناصر هويته الوطنية.

لذلك فإن استهداف السيد نصر الله كما تغييب الإمام الصدر شكّلا فراغاً كبيراً في مشروع بناء الدولة والشراكة الوطنية الذي كانا يعملان عليه.

وفي الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله، يبدو أننا في صلب الصراع حول هوية لبنان الوطنية، ما دفع رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى التحذير من مشاريع التقسيم والفيدرالية التي تجعل لبنان مفتوحا على المجهول.

وللأسف، فإن أداء السلطة الحالية لا يقل خطورة من خلال جعل لبنان مستباحاً بالكامل أمام العدوان الإسرائيلي والعمل على نزع عناصر منعته وقوته.

والحق يُقال إن العودة إلى فكر السيد نصر الله والإمام الصدر هي الكفيلة بوضع لبنان على سكة بناء الهوية الوطنية، بما يسمح بقيادة السفينة اللبنانية إلى برّ الأمان.




* المقال نقل من الميادين نت ويعبر عن رأي الكاتب