السياسية:
محمد محسن الجوهري*




منذ الضربة الإسرائيلية على قطر في سبتمبر 2025 والسياسة القطرية في تغير جذري لإرضاء الكيان وسائر الأنظمة الخليجية الأخرى، وهذا لا يعني أن قطر كانت مناصرة لقضايا الأمة ولكنها على الأقل كانت تنقل ما يحدث في قطاع غزة للعالم وهو الأمر الذي يُحسب للجزيرة وحكومة قطر، وهو الأمر نفسه الذي بات فوق طاقة آل ثاني وحان الوقت ليتخلوا عنه وليظهروا صهيونيتهم للعلن، مثلهم مثل آل سعود وآل نهيان.

وأبرز مظاهر التصهين القطري هو الاستغناء الكامل عن العشرات من الإعلاميين في شبكة الجزيرة من أبناء قطاع غزة، أضافة إلى الاستغناء عن محررين وإعلاميين عرب كان لهم مواقف مشرفة ضد الصهيونية ووقفوا إلى جانب الموقف اليمني المناصر للقضية الفلسطينية كالإعلامي المصري أحمد طه الذي تعرض للتوقيف بحجة عدم المهنية، والأسوأ هو أن الجزيرة استقدمت بدلاً عنهم مذيعين ومحررين من قنوات معروفة بتوجهها الصهيوني مثل اعلربية وسكاي نيوز.

وبالنسبة لنا في اليمن، فنحن نعرف أن قطر دولة صهيونية وأنها صنيعة المخابرات البريطانية التي أنتجت لنا منظومة من الكيانات العميلة الموالية للصهاينة، لكن الأمر كان مفاجئاً للكثير من أبناء الأمة كأهل غزة ممن ظنوا أن الجزيرة وقطر كانت صادقة في دعمها لهم ولم يتوقعوا أنها ستنقلب عليهم كما انقلبت من قبل على سورية وإيران، رغم أن الأخيرة وقفت إلى جانب الدوحة خلال الأزمة الخليجية وأفشلت خطة الحصار الاقتصادي عليها، وهو الموقف الذي تنكرت له قطر بشهادة قنواتها المعادية لطهران والداعمة للعدوان الصهيوني على الجمهورية الإسلامية.

أما عن دعم قطر الشكلي لفلسطين واستضافتها لقادة حماس فقد كانت بضوء أخضر من الحكومة الأمريكية، وتحديداً إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش التي وجهت في العام 2006 حكومة قطر بفتح قنوات اتصال مع حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات البرلمانية، ولتكون الدوحة خطَ رجعة بين واشنطن وحركات المقاومة الفلسطينية، وهو الدور نفسه الذي لعبته قطر، بتوجيهاتٍ أمريكية أيضاً في اليمن بعد أن ظهرت حركة أنصار الله كقوة عظمى يَصعب النيل منها بالقوة، وكذلك مع حركة طالبان الأفغانية، وبذلك فإن أي دعمٍ قطري يظهر هنا أو هناك ليس إلا امتداداً للسياسة الأمريكية التي تبقي القنوات مفتوحة من جهة، وترفع سياسة العصا الغليظة من جهة أخرى.

ومن يتفاجئ بانقلاب موقفها من حماس فعليه أن يتذكر موقفها من الدولة السورية في 2011، فقد كانت دمشق حاضنة المقاومة الفلسطينية الأكبر في الوطن العربي، إلا أن الدوحة استطاعت خلق شرخ بينها وبين حماس، سيما بعد تأييد حماس للمعارضة السورية المدعومة من الغرب، وكان الهدف فصل الحركة عن محور المقاومة حتى يتسنى لـ”إسرائيل” مواجهة حماس بمفردها وبعيداً عن حلفائها في سورية وإيران.

وقد تنبهت الحركة لخطورة المؤامرة فعمدت إلى فصل خالد مشعل من رئاسة مكتبها السياسي، وأوكلت المَهمة إلى إسماعيل هنية الذي احتفظ بعلاقات طيبة مع طهران ودمشق، مع ذلك ظلت قيادات حماس السياسية في الدوحة، بإصرارٍ قطري، وهو ما فسره مراقبون بأنه لضمان بقائها تحت الرقابة الأمريكية والإسرائيلية، ومتابعة اتصالاتهم مع القيادات الميدانية في قطاع غزة.

ومع فشل واشنطن وحلفائها القطريين في الضغط على قيادات القسام، بدأت بابتزاز الحركة بالطرد من الدوحة، وخسارة حياة الرفاهية التي تقدمها قطر، كعقوبة عملية لهم، وهذا الأمر كان متوقعاً ما دامت قطر حليفاً للغرب، وقد سبق أن غيرت سياساتها مع أنظمة عربية بضغطٍ خارجي، كما فعلت مع دمشق عام 2011.

والحل الأمثل أن تبادر قيادة حماس في نقل مكاتبها إلى دول محور المقاومة، حيث لا ضغوط ولا تغيير مواقف، وبإمكانها التحرك بأمان دون مراقبة أو تجسسٍ لصالح “إسرائيل”والأنسب لها اليوم وبدون شك هي العاصمة صنعاء، عاصمة الموقف العربي، والمحور الثابت الداعم لفلسطين، وحيث تلقى قيادة حماس وغيرها من فصائل المقاومة الدعم السياسي والشعبي بلا انقطاع، حتى تحرير كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب