مبارك حزام العسالي*

تحلّ ذكرى المولد النبوي الشريف، هذا العام واليمن يقف عند نقطة تحوّل تتشابك فيها الهوية الإيمانية الجامعة مع استحقاقات السيادة الوطنية والاستقلال السياسي.


فالاحتفاء بهذه المناسبة المباركة تجاوز أطره التقليدية ليتحول إلى محطة توعية ومراجعة لبناء موقف أمني وسياسي صلب، يرفض الامتهان والوصاية، ويستند إلى الإرث الرسالي الذي يُعلي قيم العدالة ومواجهة الظلم.

وفي هذا السياق المتصل بالتحديات الفكرية والسياسية التي تواجه المنطقة، جاء موقف السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي_ يحفظه الله _ اليوم بشأن الاستهداف المتكرر للقرآن الكريم، ليضع القضية في إطارها الاستراتيجي الشامل.

وأوضح أن الاعتداء على المقدسات وإحراق المصحف الشريف، جزء من منظومة استكبارية تسعى لتجريد الأمة من مكارم الأخلاق وحمايتها الفكرية، مشيراً إلى أن خشية القوى الظلامية من النص القرآني تعود إلى كونه المشروع المناهض للطغيان، والذي يكشف أدوات الهيمنة ويعيد صياغة الوعي الجمعي وفق أسس القسط والاستخلاف الرشيد.

ولم ينفصل هذا البُعد المبدئي عن الواقع الميداني والسياسي المعقّد؛ إذ تشهد المنطقة محاولات متجددة لإعادة هندسة المشهد البحري عبر تشكيلات وتحالفات متعددة الجنسيات، تسعى لتوفير غطاء قانوني وسياسي لفرض سياسة الأمر الواقع وعسكرة الممرات الملاحية، غير أن ربط قضايا السيادة الوطنية بالدفاع عن الهوية الحضارية أثبت أن الرهان على التدويل أو محاولة شرعنة الحصار الاقتصادي لن تنجح في مفاوضة اليمن على ملفاته الإنسانية الأساسية، من رفع للحظر عن الموانئ والمطارات إلى استعادة الحقوق السيادية كاملة.

كما تضمن موقف السيد القائد دعوة عملية للدول والشعوب الإسلامية تتجاوز نطاق الشجب التقليدي، مؤكداً على فاعلية أدوات الضغط الاقتصادية والسياسية والمقاطعة الشاملة لردع السلوكيات العدائية الصهيونية والغربية.

وهذه رؤية تُبرز أن الدفاع عن المقدسات والثوابت خط دفاع أول لحماية الأمن القومي للأمة ومصالحها الحيوية في وجه مشاريع التفتيت وإعادة رسم الخرائط، لا ترف فكري عديم الجدو.

ويتجلى هذا التكامل في ربط التحرك الميداني بالوعي التعبوي الشامل، حيث تحولت التحديات إلى عامل إضافي لمضاعفة الجاهزية العسكرية وتوسيع نطاق التنسيق بين مختلف الجبهات.

فالتحذيرات المتوالية الصادرة من صنعاء تحمّل كل القوى المشاركة في أدوات التصعيد الاقتصادي أو العسكري المسؤولية المباشرة عن تبعات مواقفها، مما يقطع الطريق أمام محاولات الالتفاف على الملف الإنساني وصرف المرتبات.

وبذلك يتضح أن استدعاء التحالفات العابرة للحدود لفرض معادلات جديدة في المياه السيادية لن يغير من حقيقة أن قرار حماية الأرض وتأمين الملاحة بات محكوماً بمعادلة الردع اليمني الصلبة التي أثبتت نجاعتها ميدانياً.

وأن اليمن، وهو يستحضر قيم الرسالة النبوية المحمدية في ذكرى المولد الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم، يؤكد تكامل معركته الحضارية مع موقفه الميداني؛ فالحفاظ على المقومات الإيمانية والذود عن سيادة الأرض والمياه الإقليمية يمثلان عمودين لمعادلة واحدة.

ومع اشتداد التحشيد المعادي وتعدد المظلات العسكرية، يظل الرهان اليمني قائماً على وعي شعبي متماسك وقدرة عسكرية قادرة على حماية خيارات البلاد، وصون كرامتها، وتثبيت قرارها المستقل؛ وهذا ما نراه اليوم يتحقق.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب
* المسيرة نت