السياسية - تقـــرير :

في موقف موغل في التبجح والازدراء اشترت الولايات المتحدة من الكيان الصهيوني قطعة أرض مسروقة بثمن بخس، ليس دراهم معدودة، وإنما دولار واحد فقط، وكان الكيان في هذه الأرض (الفلسطينية) من الزاهدين وأعطاها عطاء من لا يملك لمن لا يستحق.

وفي صفقة مُستخفة وتحدٍ صارخ لحقوق الشعب الفلسطيني، وقّعت الإدارة الأمريكية مع كيان العدو اتفاقاً يمنح واشنطن حق الاستيلاء على أرض مقدسية لمدة 99 عاماً مقابل ثمن بخس لا يتجاوز دولاراً واحداً، لبناء مقر دائم لسفارتها في القدس المحتلة.

هذا الاتفاق ليس مجرد عقد إيجار، بل هو إعلان عدواني جديد يكرّس تهويد المدينة، ويضرب بعرض الحائط قرارات الشرعية الدولية، ويؤكد أن واشنطن شريك كامل في مشروع الاستيطان وسرقة الأرض المقدسة.

فقد منح من لا يملك، وهو الكيان الإسرائيلي، لمن لا يستحق، وهو الولايات المتحدة، قطعة أرض كانت مملوكة لفلسطينيين في القدس المحتلة مقابل دولار واحد لمدة 99 عام، وفق اتفاقية بينهما، أُعلن عنها يوم الأربعاء 1 يوليو، لإقامة ما وُصف ب"المقر الدائم لسفارة واشنطن في المدينة" ، في خطوة تعكس تحالفا وثيقا ضد الحق الفلسطيني، وتواطؤا أمريكيا مع الخطوات غير الشرعية التي ينفذها العدو الصهيوني .

ووقّع وزير خارجية العدو الإسرائيلي، جدعون ساعر، وسفير الولايات المتحدة لدى الكيان، المتطرف مايك هاكابي، اتفاقية لتخصيص قطعة الأرض لبناء "المجمع الدائم للسفارة الأمريكية في القدس"، وفق بيان للخارجية الإسرائيلية ورد فيه أن الاتفاقية تمثل بداية انتقال السفارة الأمريكية من مقرها الحالي إلى مقرها الدائم الجديد في القدس، وفق موقع الجزيرة نت.

ووصفت خارجية العدو الإسرائيلي - في بيانها - تلك الخطوة بأنها "استكمالا لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها".

وزعم ساعر خلال مراسم التوقيع أن قرار الرئيس ترامب التاريخي بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس كان بمنزلة "عدالة تاريخية"، واليوم مع توقيع اتفاقية بدء بناء المقر الدائم للسفارة، الذي سيكون بمجمع اللنبي جنوبي القدس، "تُرسَّخ هذه الخطوة بقوةٍ أكبر للأجيال القادمة" حد تعبيره.

في حين قال هاكابي إن عقد الإيجار يمتد 99 عاما مقابل دولار واحد، مدعيًا أن المجمع الجديد يعزز الوجود الأمريكي في القدس، ومكررا الادعاء الهمجي بأن المدينة هي "العاصمة الأبدية لإسرائيل".

وفي ديسمبر 2017، أعلن الرئيس ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وقرر نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إليها، قبل افتتاح المقر المؤقت للسفارة في مايو 2018، مما أثار حينذاك انتقادات دولية واسعة باعتباره مخالفا للإجماع الدولي بشأن وضع مدينة القدس.

وفي عام 2022، قال مركز عدالة الحقوقي في فلسطين المحتلة إن الأرض المخصصة لبناء مجمع السفارة صودرت من فلسطينيين باستخدام قانون أملاك الغائبين لعام 1950، مؤكدا أن وثائق أرشيفية تثبت ملكيتها لعائلات فلسطينية قبل عام 1948، وأنها كانت مؤجرة لسلطات الانتداب البريطاني.

وتعتبر الأمم المتحدة القدس الشرقية أرضاً فلسطينية محتلة منذ عام 1967، وتؤكد أن أي إجراءات تهدف إلى تغيير طابع المدينة أو وضعها القانوني أو الديمغرافي لا تترتب عليها أي آثار قانونية بموجب القانون الدولي.

ووفق صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، وقف السفير الأمريكي المتطرف فوق المنصة ولوّح بورقة دولار، قائلا: "عقد إيجار الأرض لمدة 99 عاما، وستدفع الولايات المتحدة لإسرائيل دولارا واحدا".


تكريس لظلم تاريخي عميق


في المقابل، أدان مركز "عدالة" الحقوقي توقيع الاتفاق بين الكيان الإسرائيلي والولايات المتحدة الأمريكية، معتبرًا ذلك تشريعًا لمصادرة الأراضي الفلسطينية، وأن هذه الخطوة "تكرّس ظلما تاريخيا عميقا".

وقال المركز في بيان، يوم الخميس، إنه "يستنكر هذا الاتفاق بأشد العبارات"، معتبرًا إياه "إضفاءً للشرعية على مصادرة الأراضي الفلسطينية، وتكريسًا مباشرًا لسياسات الاستيلاء والاقتلاع التي تنتهجها "إسرائيل" بحق الفلسطينيين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي".

وأشار المركز إلى أن "الموقع الذي تم تخصيصه لإقامة المجمع يقع على أرض فلسطينية خاصة استولت عليها "إسرائيل" من أصحابها بموجب قانون أملاك الغائبين التمييزي الصادر عام 1950، وهو القانون الذي استُخدم على نطاق واسع بهدف تجريد الفلسطينيين من أراضيهم وممتلكاتهم".

وقال إنه "في يناير 2023، قدّم اعتراضًا رسميًا إلى سلطات التخطيط الإسرائيلية نيابة عن 12 من أحفاد المالكين الفلسطينيين الأصليين، بينهم مواطنون أمريكيون وأردنيون، إلى جانب فلسطينيين من سكان القدس"، مطالبًا "بوقف عملية تخصيص الأرض لإقامة مجمّع السفارة الأمريكية".

واستدرك المركز: "إلا أن سلطات التخطيط رفضت الاعتراض وصادقت على المخطط في سبتمبر 2023، قبل أن تقره بصورة نهائية في أبريل 2024، متجاهلة الحقوق القانونية والتاريخية لأصحاب الأرض وورثتهم".

وأكد أن "إقامة مجمع السفارة الأمريكية تنتهك المكانة القانونية الدولية الخاصة لمدينة القدس، باعتبارها كيانًا ذا وضع دولي خاص وفق قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة".

وتابع المركز أن "المضي في إنشاء مقر دائم للسفارة، إلى جانب الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، لا يقتصر على كونه موقفًا سياسيًا أو خطوة دبلوماسية، بل يشكل دعمًا عمليًا للضم الإسرائيلي غير القانوني للقدس الشرقية، ويمنح غطاءً لاستمرار الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها إسرائيل، في انتهاك للقانون الدولي، بما في ذلك القانون الدولي الإنساني".

وأضاف: "وعلاوة على ذلك، فإن إقامة السفارة على أرض صودرت بموجب قانون أملاك الغائبين تعني أن الحكومة الأمريكية تؤيد بصورة مباشرة الآليات غير القانونية التي تستخدمها إسرائيل لسلب الفلسطينيين أراضيهم وتهجيرهم، بما ينتهك الحقوق الأساسية في الملكية للمالكين الفلسطينيين الأصليين وورثتهم، في انتهاك مباشر للقانون الدولي ولحظر الضم غير القانوني".

ويأتي توقيع اتفاق بناء مقر السفارة بعدما شنت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني معا عدوانا استمر عدة أشهر ضد إيران، وبعد فترة من التوترات التي تحدثت عنها تقارير إعلامية بين ترامب ورئيس وزراء العدو الإسرائيلي المطلوب للجنائية الدولية، بنيامين نتنياهو، على خلفية خلافات بشأن الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب على طهران.



تواطؤ مع سياسات الاحتلال

من جانبه، قال الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي ، إن الاتفاق الإسرائيلي الأمريكي القاضي بمنح الولايات المتحدة قطعة أرض في القدس لإقامة مقر دائم لسفارتها مقابل دولار واحد، يمثل "خرقاً للقانون الدولي" و"تواطؤاً مع سياسات الاحتلال".

وأضاف البرغوثي، في تصريح لوكالة الأناضول، أن "الولايات المتحدة ترتكب خطأً وخرقاً للقانون الدولي بنقل سفارتها إلى القدس من حيث المبدأ ومن حيث الأصل".

وأوضح أن هذه الخطوة "تخلّ بكل الاتفاقيات التي كانت قائمة، وبكل ما كانت الولايات المتحدة قد تبنته من اتفاقيات ومواقف، بما في ذلك عدم جواز تغيير الأمر الواقع على الأرض".

ورأى أن الاتفاق "يمثل، للأسف، استجابة للمطالب والرغبات الإسرائيلية"، مضيفاً أن "هذا موقف تنفرد به دول قليلة جداً، والولايات المتحدة واحدة منها، ما يجعل موقفها متناقضاً مع مواقف معظم دول العالم".

وأكد البرغوثي أن "معظم دول العالم تعتبر أن هذه الأراضي فلسطينية"، مشدداً على أن "ما يجري هو خرق جسيم للقانون الدولي وحقوق الشعب الفلسطيني".

وأضاف: "هذا يُعد تواطؤاً من الولايات المتحدة في ارتكاب أمر سيُصنف على أنه انتهاك وجريمة بحق حقوق الشعب الفلسطيني".



تساؤلات قانونية حول حقوق الملكية

في المقابل، قالت تقارير ومنظمات حقوقية إن الأرض المخصصة للمشروع تعود ملكيتها الأصلية لعائلات فلسطينية، وإن سلطات العدو الإسرائيلي صادرتها استناداً إلى قانون أملاك الغائبين، وهو قانون ظل محل انتقادات دولية منذ سنوات.

وترى هذه الجهات أن تخصيص الأرض لبناء السفارة يثير تساؤلات قانونية تتعلق بحقوق الملكية، في ظل استمرار النزاع حول وضع القدس، وفق موقع وطن الإخباري.

وتحولت ورقة الدولار الواحد إلى رمز أثار اهتماماً واسعاً، ليس بسبب قيمتها المالية، وإنما لما تمثله من أبعاد سياسية وقانونية تتجاوز بكثير قيمة المبلغ المدفوع، وتعيد إلى الواجهة الجدل المستمر حول ملكية الأرض ومستقبل مدينة القدس.



القدس عنوان لمعركة الوعي والسيادة

وقالت الكاتبة، لما جمال العبسه ، إنه في الوقت الذي تتصدر اتفاقية وقف اطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران الواجهة، يطلّ العدو الصهيوني بخطوة تحمل دلالات تتجاوز كل المنطق، حيث أعلن أن حكومته اليمينية المتطرفة وافقت على بيع أرض فلسطينية مصادرة من أصحابها منذ العام 1950 لإقامة المقر الدائم للسفارة الأمريكية ، مشيرة إلى أنها "خطوة جديدة تحمل دلالات خطيرة فهي ليست مجرد إجراء إداري أو بروتوكولي، بل هي إعلان سياسي صريح بأن الاحتلال يستغل انشغال القوى الكبرى في صراعات إقليمية ليكرّس واقعاً جديداً في القدس، متحدياً الحق الفلسطيني الذي يُدفع إلى الهامش في معادلات القوى الكبرى، ومتجاهلاً الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس".

وأضافت العبسه، في مقال نشرته صحيفة الدستور الأردنية، أن "هذا التوازي بين الحرب على إيران وبين العبث في فلسطين ليس جديداً؛ فالتاريخ يروي كيف استغلت دولة الكيان الغاصب أزمات دولية كبرى لتفرض وقائع على الأرض، من حرب الخليج إلى أحداث 11 سبتمبر، واليوم يتكرر المشهد لكن بدعم مطلق من واشنطن التي تُثبّت سفارتها في القدس، والاحتلال يمدّ يده أكثر في الضفة وغزة، بينما يواصل قضم الجنوب اللبناني في ظل صمت دولي وإسلامي وعربي مشغول بملفات أخرى لكن غير مقصر بالتنديد والاستنكار".

ورأت أن "الأخطر أن هذه الخطوة تأتي في ظل تجاهل عالمي صارخ للحق الفلسطيني في أرضه، وكأن المجتمع الدولي يسلّم بأن الاحتلال الصهيوني هو الواقع الوحيد الممكن، هذا التجاهل لا يقتصر على الصمت، بل يمتد إلى تواطؤ عملي عبر تثبيت رموز سيادية أمريكية في مدينة تحت الاحتلال، في وقتٍ تُعلن فيه الوصاية الهاشمية عن دورها التاريخي في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، لكن دون أن تجد الدعم الدولي الكافي لمواجهة محاولات الإلغاء والتهميش، وفي الوقت ذاته، تُرسل رسالة إلى الفلسطينيين والعرب مفادها أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على الوعي والشرعية، وأن كل لحظة انشغال إقليمي أو دولي تُستغل لتكريس واقع جديد".

وأكدت الكاتبة أن "بيع أرض فلسطينية لإقامة السفارة الأمريكية في القدس ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة استراتيجية تستغل الانشغال بالحروب الكبرى لتثبيت الاحتلال وتوسيع نفوذه، من إيران إلى لبنان، ومن الضفة إلى غزة، يواصل العدو الصهيوني مشروعه في ظل غياب الردع الدولي وتجاهل العالم للحق الفلسطيني، وتحدٍ مباشر للوصاية الهاشمية على المقدسات".

وختمت العبسه قائلة، "القدس اليوم عنوان لمعركة الوعي والسيادة، ومعيار لمدى قدرة الأمة على مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع، وصون الوصاية الهاشمية والحق الفلسطيني في زحام الصراعات، فماذا يمكن ان يفعله العالمان العربي والإسلامي ازاء هذا التهجم الصارخ وماذا ستفعل الشرعية الدولية؟!".



سبأ