السياسية || محمد محسن الجوهري*


ليس في مصلحة النظام السعودي أن يستمر في ارتكاب الحماقات ضد الشعب اليمني، فالوضع اليوم قد تغير كثيراً عما كان عليه قبل أحد عشر عاماً؛ فلا الرياض لا تزال على قوتها، ولا اليمن بمستواه من التسليح ووسائل القوة العسكرية وغير العسكرية، والأجدر بآل سعود مراجعة مواقفهم قبل أن تتأزم الأمور وتصل إلى مرحلة "اللاعودة".

ومن يتابع مستجدات السياسة يعلم أن السعودية تحولت من دولة اقتصادية عظمى إلى دولة مدينة، وأن الوضع المعيشي والقوة الشرائية للمواطنين تراجعت إلى خمسة أضعاف خلال عشر سنوات، بحيث لا يحتمل وضعها أي حرب كبرى ضد الشعب اليمني. كما أن السعودية، وبغبائها المعروف، اختلقت خلال السنوات الأخيرة عداوات استراتيجية مع دول المنطقة من شأنها أن تموّل أزماتها الداخلية، كالأزمة مع إيران والأزمة مع قطر، وأخيراً مع دولة الإمارات، شريكتها في الغدر والخيانة والعدوان على اليمن.

أي أن كل دول المنطقة تقريباً تترقب سقوط النظام السعودي، بل وفي مصلحتها أن تموّل ذلك ولو بطرق غير مباشرة، مثل ضرب الاستقرار الداخلي للمملكة نفسها، وهو ما فعلته قطر خلال الأزمة الخليجية وأجبرت بذلك محمد بن سلمان على التراجع عن حصاره لها، وأن يتخلى مذعناً عن كل الشروط التي سبق ووضعها لرفع الحصار عن قطر.

كما أن الإمارات اليوم ترى في الرؤية الاقتصادية السعودية تهديداً وجودياً لها ولاقتصادها، وبات من الواضح أن محمد بن زايد يستثمر في الفشل السعودي على أكثر من صعيد، وأحد أهم تلك الصعد ما يحدث في المحافظات الجنوبية في اليمن؛ فالمخطط الإماراتي يقضي بتحويل عدن وما حولها إلى ساحة استنزاف للمملكة وحلفائها المحليين، وذلك سيكلفها الكثير على مستوى الأرواح والخسائر الاقتصادية.

والاقتصاد السعودي، وبسبب الحرب على إيران، تراجع إلى ما دون النصف، كما أن التسلط الأمريكي على عائدات النفط جعل المملكة في وضعية لا تُحسد عليها، وهي بذلك أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التعامل باحترام مع دول الجوار وفي مقدمتهم اليمن، حيث من المفروض أن تُرفع عنه الحصار الجائر وأن تتوقف عن افتعال الأزمات والحروب الداخلية، أو أن تغرق في حرب طويلة لا نهاية لأمدها، وسيكون لها تداعياتها المكلفة حتى لو وقف الشعب اليمني وحيداً في المعركة.

فاليمن، وخلال عشر سنوات من الكفاح، بات يملك أسلحة استراتيجية وأوراقاً قادرة على إخضاع السعودية ومن تحالف معها، وقد فعل ذلك من قبل وهو لا يمتلك إلا السلاح المتوسط والخفيف، فكيف وهو يمتلك اليوم أسلحة ردع وتدمير كلي من شأنها إعادة نجد إلى مرحلة ما قبل النفط، وإلى حياة الجوع التي نسيتها من بعد الطفرة النفطية لدرجة أن تطاولت على الجميع، وهكذا هم الأعراب إذا ما شبعوا.

بالمقابل ليس لدى الشعب اليمني ما يخسره، فقد قدّمنا خيرة الرجال من أجل أن تبقى الكرامة، ولا مانع أن تستمر المعارك ولو إلى آخر الدهر، فالموت أشرف من الخنوع لآل سعود، فالذلة غير واردة في قاموس الأحرار، ولا يقبل بالإذعان للرياض إلا أشباه الرجال من آل الأحمر وآل عفاش وأزلامهم، أما الرجال فلهم رأي آخر وصوت سيسمعون صداه في الميدان لا في مواقع التواصل الاجتماعي.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب