خيام مهترئة وظروف إنسانية قاسية يعيشها مخيم الرضوان في غزة
غزة ـ السياسية:
في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، وتحديدًا مقابل بئر زنون والشاعر، إلى الشرق من مخيم الصمود، يعيش نحو 97 أسرة نازحة داخل مخيم الرضوان، في ظروف إنسانية قاسية، تتكئ فيها العائلات على خيام أنهكتها الشمس والرياح، ولا تكاد توفر لها الحد الأدنى من الحماية، بينما تتراجع أمامها مقومات الحياة اليومية من غذاء ودواء ومستلزمات إيواء ونظافة.
هنا، لا ينتظر النازحون شيئًا كبيرًا؛ لا بيتًا فاخرًا ولا حياة مترفة، بل خيمة لا تمزقها الرياح، وغطاء يقي أطفالهم برد الليل، ووجبة تسد جوعهم، ومواد تمنع مياه الأمطار من التسلل إلى أماكن نومهم.
ويقول سكان المخيم، في أحاديث مع صحيفة (فلسطين)، إنهم يعيشون منذ فترة في ظل تهميش متواصل من المؤسسات والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية، رغم حاجتهم الماسة إلى المساعدات، مؤكدين أن أوضاعهم لم تعد تحتمل مزيدًا من الانتظار، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء وما يحمله من مخاطر على عائلات تقيم داخل خيام مهترئة لا توفر الحماية الكافية من البرد والأمطار.
ويصف محمد فيصل صيام، أحد إداريي المخيم، واقع النازحين بأنه "صعب للغاية"، موضحًا أن المخيم يعاني من غياب شبه كامل للمساعدات الإنسانية، وأن بعض الأسر لم تستفد من المساعدات منذ فترة طويلة.
ويقول صيام إن الخيام مهترئة وتحتاج إلى مستلزمات لإصلاحها وحمايتها، في وقت لا يصل فيه الخبز بصورة منتظمة، فيما تغيب وجبات الطعام التي توفرها المطابخ الخيرية عن المخيم.
ولا تقتصر معاناة العائلات على الطعام، فالحياة داخل الخيمة تحتاج إلى عشرات التفاصيل الصغيرة التي أصبحت بالنسبة للنازحين مطلبًا أساسيًا؛ شوادر ومواد إيواء، وفرشات وبطانيات، وأدوات نظافة، ومستلزمات صحية وطبية، وأدوات ضرورية لدورات المياه، وغيرها من الاحتياجات التي لا تستطيع الأسر، المنهكة أصلًا، توفيرها من إمكاناتها المحدودة.
ويؤكد صيام أن مطالب سكان المخيم بسيطة، ولا تتجاوز الحصول على خيام مناسبة تليق بالعائلات، ومستلزمات إيواء أساسية، ومساعدات مشابهة لتلك التي تصل إلى مخيمات أخرى، مشددًا على أن النازحين لا يبحثون عن الرفاهية، وإنما عن الحد الأدنى من مقومات الحياة.
وبين الخيام، يروي النازح محمد عبد النبي، القادم من رفح، جانبًا آخر من معاناة العائلات، مؤكدًا أنهم طرقوا أبواب العديد من الجمعيات والمؤسسات بحثًا عن المساعدة، لكن معظمها اكتفى بالوعود، دون أن تصل الاحتياجات إلى الأسر فعليًا.
ويصف عبدالنبي وضع المخيم بأنه من أكثر أوضاع مخيمات النزوح تهميشًا، مشيرًا إلى أن الأسر تشاهد مساعدات تصل إلى مخيمات أخرى، بينما تبقى احتياجاتها معلقة، رغم تواصلها مع المؤسسات وتزويدها ببيانات العائلات وعنوان المخيم.
لكن أكثر ما يثير قلق النازحين الآن هو الشتاء، فعدد من الخيام، وفق عبد النبي، لا يصلح لمواجهة الأمطار والبرد، فيما لا تزال ذكريات الشتاء الماضي حاضرة في أذهان العائلات، حين تسربت مياه الأمطار إلى أماكن إقامتها، واضطر النازحون إلى مواجهة البرد والرطوبة بما توفر لديهم، في وقت لا يملك فيه معظمهم القدرة على شراء خيام جديدة أو توفير مستلزمات الحماية بأنفسهم.
ومع اقتراب فصل الشتاء، لا يبدو الخوف من المطر أمرًا عابرًا بالنسبة لعائلات المخيم؛ فهنا، قد تعني ليلة ماطرة فراشًا مبللًا، وملابس غارقة بالماء، وأطفالًا يرتجفون من البرد، وحاجيات قليلة تتعرض للتلف، فيما لا توجد قدرة مالية على تعويض ما يضيع.
أما النازح غسان أبو لطيفة، فيروي جانبًا من معاناة عائلته التي نزحت من شرق خان يونس، مؤكدًا أن رحلة النزوح فرضت عليهم واقعًا معيشيًا بالغ القسوة، بعدما تركوا منازلهم واستقروا في خيمة لا توفر لهم الاستقرار والأمان، في ظل استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية.
وكما حال عائلة أبو لطيفة، تتشابه حكايات عشرات الأسر داخل مخيم الرضوان؛ جميعهم وصلوا إلى المكان بعد أن أجبرتهم الحرب على ترك منازلهم، وجميعهم يحملون آثار رحلة نزوح طويلة، لكنهم اليوم يواجهون معركة أخرى لا تقل قسوة: كيف يؤمّنون احتياجاتهم الأساسية وهم يعيشون في خيام لا تكاد تحميهم؟
وتتجاوز مأساة مخيم الرضوان حدود المكان، إذ تتكرر تفاصيلها في مئات مخيمات النزوح المنتشرة في قطاع غزة؛ خيام تفتقر إلى الحماية، وأسر تبحث عن الطعام والمياه والملابس والدواء ومواد النظافة، ونازحون ينتظرون مساعدات قد لا تصل.
وفي مخيم الرضوان، تبدو المطالب شديدة البساطة إلى درجة مؤلمة؛ خيمة صالحة، وبطانية، ووجبة طعام، ومواد نظافة، ودواء، وشادر يمنع المطر من الوصول إلى الأطفال.
أشياء تبدو عادية في حياة الناس، لكنها بالنسبة إلى هؤلاء النازحين تحولت إلى أمنيات يومية.
ومع كل يوم يقترب فيه الشتاء، تتجدد مخاوف نحو 97 أسرة من أن تتحول خيامها المهترئة إلى مصائد للبرد والماء، فيما تتجدد مناشداتهم للمؤسسات الإنسانية المحلية والدولية بضرورة الوصول إليهم والاستجابة لاحتياجاتهم، قبل أن يطرق المطر أبواب خيامهم.
في مخيم الرضوان، لم يعد النازحون يطلبون الكثير؛ فقد تركوا خلفهم بيوتهم وأمانهم وحياتهم السابقة.
كل ما يريدونه الآن خيمة لا تغرق بالمطر، ولقمة تسد جوع أطفالهم، وغطاء يقيهم البرد، وشيئًا من مقومات الحياة التي لا ينبغي أن يضطر إنسان إلى انتظارها طويلًا.

