السياسية || محمد محسن الجوهري*


نسمع كثيراً في الأخبار عن عقود النفط الآجلة، وعن انخفاضها وارتفاعها بحسب استقرار أو تدهور الأوضاع السياسية، وهي تشير إلى صفقات وهمية يتم تداولها في أسواق الأسهم لكميات مهولة من النفط في المستقبل، أي أن النفط المنتج اليوم قد تم بيعه في عقود آجلة قبل أشهر وربما قبل سنوات في الأسواق العالمية.

أما عن المسؤولين عن إدارة هذا النوع من التجارة فهي مجموعات تجارية أغلبها مرتبط باللوبي الصهيوني المسؤول عن إدارة الاقتصادات الربوية مثل (مثل Goldman Sachs، وMorgan Stanley، وJPMorgan Chase) وكلها مملوكة لعائلات يهودية وهذه الكيانات لا تمتلك آبار نفط ولا مصافي تكرير، لكنها تدير مئات المليارات من الدولارات التي تتحرك عبر شاشات البورصة، مما يمنحها القدرة على توجيه دفة الأسعار عالمياً، وتستخدم خوارزميات كمبيوتر فائقة السرعة ونماذج رياضية معقدة للتنبؤ بأسعار النفط بناءً على البيانات الاقتصادية، والطقس، والاضطرابات السياسية.

وهذه الكيانات هي المسؤولة بشكل رئيسي عن التحكم في أسعار النفط، فمثلاً التقارير والتوقعات الصادرة عن بنوك مثل Goldman Sachs تمثل "محركات للسوق" وعندما يعلن عن توقعاته بارتفاع الأسعار، تهرع آلاف الصناديق الصغيرة والمستثمرين لطلب الشراء بناءً على هذه التوصية، مما يتسبب في رفع الأسعار فعلياً (ما يسمى بالنبوءة ذاتية التحقق)، رغم أن هذه الكيانات لا تملك فعلياً أي آبار نفطية وإنما تستغل نفوذها السياسي لخلق أرباح هائلة من العدم والمضاربة بعقود وهمية في البورصات الأمريكية.

وبما أن خمس الانتاج العالمي من النفط يمر من مضيق هرمز، فإن العلاقة بين إغلاق المضيق ومستقبل عقود النفط الآجلة يحمل طابعاً حرجاً للغاية، حيث يُصنف المضيق كأهم شريان مائي لتجارة النفط في العالم. أي تهديد حقيقي أو إغلاق لهذا الممر المائي سيتسبب في قفزة تاريخية وفورية لأسعار العقود الآجلة، ليمتد أثر ذلك إلى إعادة تشكيل الهيكل المالي لأسواق الطاقة بالكامل، كما أنه يتسبب في خنق الاقتصاد الأميركي القائم على تلك المضاربات وقد يتسبب في إفلاس المؤسسات المالية الربوية التي تدير المضاربات النفطية والمسؤولة أيضاً عن إدارة الاقتصاد الامريكي.

إلى جانب مضيق هرمز، يمثل إغلاق مضيق باب المندب أمام النفط السعودي حلقة وصل غير مباشرة ولكنها شديدة الخطورة على الاقتصاد الأمريكي، حيث يتجاوز أثر هذا التهديد الجغرافي مجرد تعطيل حركة الشحن ليصل إلى عمق المفاصل المالية في الولايات المتحدة.

فرغم أن النفط السعودي المتجه عبر هذا الممر يذهب غالباً نحو آسيا، إلا أن أسواق النفط العالمية مترابطة وبمجرد توقف الإمدادات أو تحول الناقلات إلى طريق رأس الرجاء الصالح الأطول والأعلى تكلفة، ستشتعل أسعار عقود النفط الآجلة (خام برنت وخام WTI) في البورصات العالمية نتيجة المخاوف من نقص المعروض وانفجار تكاليف الشحن والتأمين البحري. هذا الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة يترجم فوراً داخل أمريكا على شكل قفزة حادة في أسعار البنزين والديزل محلياً، مما يرفع كلفة تشغيل قطاعات حيوية مثل الطيران، التجارة، وسلاسل إمداد السلع والأغذية عبر الشاحنات، الأمر الذي يفجر موجة تضخم جديدة تنهك القوة الشرائية للمستهلك الأمريكي.

وأمام هذا الغلاء المفاجئ، سيجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) نفسه مجبراً على تبني سياسات نقدية متشددة وإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لكبح التضخم، وهو ما يضعف النمو الاقتصادي، ويزيد من تكلفة القروض، ويضع الاقتصاد الأمريكي تحت تهديد حقيقي بالدخول في ركود اقتصادي، بينما تظل الاستفادة الوحيدة محصورة في أرباح قياسية تجنيها شركات النفط الصخري الأمريكية نتيجة هذا التضخم السعري.

بذلك يمثل إغلاق مضيق هرمز وباب المندب ضربة قاصمة لركائز الهيمنة الأمريكية، إذ لا يقف الضرر عند حدود أزمة الطاقة والتضخم المحلي، وإنما يتعداه ليكسر احتكار الأسواق الوهمية ويقوض نموذج المضاربات المالية الذي تستند إليه قوة وول ستريت. وهذا التصدع الجيوسياسي في شرايين التجارة العالمية ينذر بتآكل السطوة الاقتصادية للولايات المتحدة، معلناً بداية أفول نظامها المالي المهيمن لصالح معادلة عالمية جديدة متعددة الأقطاب.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب