وهم "الهدنة" على ورق الدبلوماسية: غزة تلفظ أنفاسها تحت وطأة إبادة وحصار لم يشهدهما التاريخ
السياسية - تقـــرير :
بعد مرور أكثر من عشرة أشهر (315 يوماً) على سريان الاتفاق المعلن لوقف إطلاق النار، تتكشف فصول مأساة إنسانية غير مسبوقة. فما كان يُفترض أن يكون بارقة أمل لوقف نزيف الدم وتضميد الجراح، تحول إلى غطاء دبلوماسي رخيص يستر به الاحتلال الإسرائيلي استمرار عدوانه.
المدنيون الفلسطينيون في قطاع غزة لا يزالون يكتوون بنار التبعات الإنسانية والخدمية الكارثية للعدوان المستمر، والحصار المفروض، وجريمة الإبادة الجماعية الصهيونية، التي شكّلت وصمة عار في سجل التاريخ البشري، ولم يسبق لها مثيل في حجمها أو وحشيتها.
أظهرت التطورات الميدانية المتسارعة، وتقاطعت التقارير الرسمية والأممية والدولية المستقلة، على حقيقة صادمة: ما سُمّي "اتفاق وقف إطلاق النار" يقتصر حضوره الفعلي على قاعات المؤتمرات، والتصريحات الدبلوماسية، وبيانات الشجب والاستنكار. أما على أرض الواقع، فالاتفاق غائب تماماً، بل إنه يُنتهك في وضح النهار.
لقد تحولت ورقة الاتفاق إلى حبر على ورق، بينما تتحول أحياء غزة إلى مقابر جماعية، في تأكيد صارخ على أن الدبلوماسية الدولية فشلت في فرض أدنى معايير الإنسانية.
في تحدٍ سافر للمجتمع الدولي، تُواصل سلطات العدو الإسرائيلي خروقاتها اليومية والمنتظمة لبنود الاتفاق. فالقصف المدفعي والجوي، وعمليات الاقتحام، والاستهداف المباشر للمدنيين ومنازلهم، لم يتوقف لحظة واحدة.
إن هذا العنف المنهجي لا يقتصر على القتل المباشر فحسب، بل يمتد إلى تدمير ممنهج لما تبقّى من البنية التحتية، في محاولة واضحة لتهجير السكان قسراً، ومحو الذاكرة المكانية للقطاع، وتحويل "وقف النار" إلى مجرد تكتيك عسكري لإعادة تموضع القوات وتضييق الخناق على المحاصرين.
لا يقل الحصار الخانق ضراوة عن القصف المباشر؛ فقد عمد الاحتلال إلى تشديد قبضته الحديدية على منافذ القطاع، محولاً إياه إلى سجن مغلق بإحكام. هذا الحصار ليس مجرد إجراء أمنياً كما يزعم الاحتلال، بل هو أداة عقاب جماعي محظورة دولياً، يهدف إلى تجويع السكان، ومنع وصول المساعدات الحيوية، وخنق الاقتصاد المحلي تماماً.
إن منع دخول الوقود، ومواد الإعمار، والمستلزمات الطبية، والغذاء الكافي، يرقى إلى مستوى جريمة الحرب، ويُشكّل ركيزة أساسية من ركائز جريمة الإبادة الجماعية المستمرة.
نتيجة لهذا المزيج القاتل من العدوان المستمر والحصار المطبق، تشهد القطاعات الحيوية في غزة انهياراً شبه كامل، بل ويمكن وصفها بأنها "منكوبة" بالكامل:
القطاع الصحي: مستشفيات إما تحولت إلى ركام، أو تعمل بطاقات بشرية هزيلة في ظل انعدام الأدوية، والمعدات، والكهرباء، مما يجعلها مجرد أماكن للموت الرحيم بدلاً من أماكن للشفاء.
القطاع الغذائي والمائي: شبح المجاعة يخيّم على كل شارع، ومصادر المياه الوحيدة أصبحت ملوثة، مما أدى إلى تفشي الأوبئة والأمراض التي تفتك بالأطفال وكبار السن بشكل خاص.
القطاع الإيوائي والتعليمي: مئات الآلاف يعيشون في خيام بالية أو ملاجئ مكتظة تفتقر لأبسط شروط الكرامة الإنسانية، بينما مُسح قطاع التعليم بالكامل من الخريطة، ليفقد جيل بأكمله حقه في المستقبل.
البنية التحتية: انعدام شبه تام لخدمات الصرف الصحي، والنظافة العامة، وإدارة النفايات، مما حول المدن والمخيمات إلى بيئة طاردة للحياة.
تحت العناوين التالية نحاول الاقتراب من جزء من صورة المأساة...ونقف على جزء يسير من تفاصيلها، التي يعيشها قطاع غزة تحت وهم "الهدنة"، في جريمة إبادة جماعية لم يسبق أن عاشها مجتمع بشري في التاريخ الحديث.
1286 شهيدا في 4379 خرقا اسرائيليا
وفي تقرير تفصيلي شمل رصداً دقيقاً للميدان، كشف المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، اليوم الإثنين، أن قوات العدو الإسرائيلي ارتكبت 4379 خرقاً ميدانياً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ اليوم الأول لسريانه.
وأوضح التقرير أن هذه الانتهاكات المباشرة أسفرت عن استشهاد 1286 فلسطينياً وإصابة 4257 آخرين بجروح متفاوتة، إضافة إلى اعتقال 180 مدنياً.
وفي سياق الجهود المضنية لانتشال الضحايا، أفادت الفرق الميدانية بانتشال جثامين 813 شهيداً، في حين لا يزال أكثر من 8 آلاف شهيد مفقودين تحت ركام المنازل والبنايات المهدمة التي يتعذر الوصول إليها.
وعلى صعيد الإغاثة والاحتياجات الإنسانية، أشار التقرير إلى أن سلطات الاحتلال تواصل تنصلها من الالتزامات المتعلقة بالبروتوكولات الإنسانية، حيث لم يفرَج سوى عن دخول 66,607 شاحنات مساعدات فقط من أصل 189 ألف شاحنة كان مُفترضاً ورودها للقطاع حتى اليوم، بنسبة التزام لم تتجاوز 35 بالمائة. وفي هذا حمّل المكتب الحكومي العدو الإسرائيلي المسؤولية الكاملة، واصفاً ما يمارسه بـ "السياسة المنهجية لتجويع السكان وإعدام بيئة العيش".
احتضار القطاع الصحي
تتعرض المنظومة الصحية في غزة لضربات متتالية جعلتها في حالة احتضار، وتنذر بكارثة صحية غير مسبوقة، نتيجة الحظر الصهيوني الصارم المفروض على المستلزمات والوقود الضروريين لتشغيل المرافق الطبية ومحطات الطاقة البديلة.
وحذّر مدير مجمع الشفاء الطبي، الدكتور محمد أبو سلمية، من تداعيات الأزمة الصحية والبيئية المتراكمة، مؤكداً أن آلاف الجرحى والمرضى يواجهون الموت البطيء في ظل تفاقم نقص المياه النظيفة وشح الأدوية، حسب موقع النجاح الإخباري.
وبيّن أبو سلمية أن نسبة النقص في الأدوية الأساسية تجاوزت 52%، وارتفعت في المستهلكات الطبية إلى 70%، بينما سجلت المواد المخبرية والتحاليل نقصاً حاداً بلغ 80%.
كما أشار إلى أن القطاع فقد أكثر من 80% من أجهزة التصوير الطبقي والأشعة والرنين المغناطيسي نتيجة القصف أو التعطيل، حيث لا يعمل حالياً سوى جهاز تصوير طبقي واحد في كامل منطقة شمال غزة لخدمة أكثر من مليون نسمة.
وحول الملف الطبي الحرج، أكد أبو سلمية وجود نحو 21 ألف مريض وجريح بحاجة عاجلة للإجلاء الطبي والتصريح بالسفر للعلاج خارج القطاع، من بينهم 4 آلاف مريض بالسرطان يحرمون من العلاج الكيميائي والإشعاعي، و10 آلاف جريح يستلزمون جراحات معقدة في العظام والمخ والأعصاب والقلب، مما يتسبب في وفيات يومية لحالات كان بالإمكان إنقاذها لو توفرت الرعاية التخصصية.
أزمة أوكسجين
ولعل من أبرز مظاهر الخطر الذي يتهدد المرافق الصحية بالشلل التام، اقتراب انقطاع الأوكسجين الطبي نتيجة استمرار الحصار وإغلاق المعابر في وجه الإمدادات التخصصية وقطع الغيار.
وأكد المتحدث باسم مستشفى شهداء الأقصى، الدكتور خليل الدقران، أن محطات الأوكسجين باتت على وشك التوقف الكلي، حيث تسببت عمليات التدمير ومنع دخول قطع الصيانة في إخراج معظم المحطات عن الخدمة؛ إذ لم يتبقَّ سوى 12 محطة تعمل من أصل 34 محطة بالقطاع، وسط ظروف تشغيلية قاسية وتراجع كفاءتها الفنية. ولفت إلى أن 4 محطات فقط هي التي تمتلك القدرة حالياً على تعبئة أسطوانات الأكسجين، وهو ما لا يغطي سوى نسبة ضئيلة جداً من الاحتياج الميداني.
وفي هذا السياق، أكد مدير عام وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، منير البرش ، أن ما يجري في غزة ليس أزمة أوكسجين أو مياه فقط، بل انهيار كامل لمقومات الحياة.
وفي مقابلة مع قناة الجزيرة، نشر مقتطفات منها على حسابه بمنصة "إكس"، قال البرش "ما زال العدو يصعّد هجماته على قطاع غزة ويواصل خروقاته لاتفاق وقف إطلاق النار، الذي أصبح حاضرًا في البيانات لكنه غائب عن حياة الناس على الأرض".
وأضاف أن "ما يجري في غزة ليس أزمة أوكسجين أو مياه فقط، بل انهيار كامل لمقومات الحياة" ، مشيرًا إلى أنه "لم يتبقَّ سوى 12 محطة أوكسجين تعمل من أصل نحو 34 محطة، وأي عطل إضافي قد يقطع الأكسجين عن المرضى".
وتابع الدكتور البرش، "اليوم إذا تعطل هذا الأوكسجين سيموت هؤلاء الناس. نحن نتحدث عن موت سيأتي كل لحظة إن لم تدخل محطات أكسجين إضافية. لا نريد أن نصل إلى اللحظة التي يضطر فيها الطبيب إلى المفاضلة بين مريضين، لمن يعطي الأكسجين ومن يتركه بلا أوكسجين".
خطر الحرمان من المياه
على صعيد مياه الشرب والصرف الصحي، تتجلى مخاطر أخرى تضاعف من معاناة سكان القطاع، جراء استمرار أزمة الوقود ومنع دخول مستلزمات الصيانة.
وفي هذا السياق، حذّر اتحاد بلديات قطاع غزة، من انهيار وشيك في منظومتي المياه والصرف الصحي، في ظل استمرار أزمة الوقود ومنع إدخال المستلزمات اللازمة لتشغيل آبار المياه ومحطات الضخ والصرف الصحي، ما يهدد بحرمان أكثر من مليوني فلسطيني من مياه الشرب والاستخدام المنزلي.
وقال الاتحاد، إن الوضع الخدمي والإنساني في القطاع بلغ مرحلة بالغة الخطورة، محذرًا من تداعيات صحية وبيئية كارثية قد تنتج عن توقف آبار المياه وطفح مياه الصرف الصحي في الشوارع ومخيمات النزوح، حسب وكالة "سند للأنباء" الفلسطينية.
وأوضح نائب رئيس الاتحاد ورئيس بلدية خان يونس، علاء الدين محمد البطة، أن البلديات تواجه "انهيارًا وشيكًا" في منظومة المياه والصرف الصحي وعدد من المرافق الحيوية، نتيجة استمرار منع إدخال الزيوت اللازمة لتشغيل مولدات آبار المياه ومحطات الضخ والصرف الصحي للشهر الخامس على التوالي.
وأشار البطة إلى أن تقليص كميات السولار اللازمة لتشغيل المولدات، إلى جانب تدمير منظومة الكهرباء في القطاع منذ بداية الحرب، أدى إلى خروج معظم آبار المياه عن الخدمة، الأمر الذي تسبب في توقف أو تراجع ضخ المياه عن عشرات آلاف الأسر، لا سيما في مخيمات النزوح والمناطق السكنية المكتظة.
وبيّن الاتحاد أن توقف منظومة الصرف الصحي أو تراجع قدرتها على العمل يهدد بطفح مياه الصرف في الشوارع ووصولها إلى مناطق النزوح، الأمر الذي قد يؤدي إلى تلوث مصادر المياه وانتشار الأمراض والأوبئة، في ظل تدهور قدرة القطاع الصحي على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
شلل قطاع النقل بنسبة 70%
لم تكن البنية التحتية للنقل والمواصلات بمعزل عن تداعيات الحصار والعدوان الصهيوني؛ حيث أصدر مركز غزة لحقوق الإنسان بياناً عبّر فيه عن قلقه العميق جراء القيود المشددة على إدخال قطع غيار المركبات، وزيوت المحركات، والإطارات المطاطية، ومستلزمات الصيانة الميكانيكية، تحت ذريعة تصنيف العدو الإسرائيلي لها ضمن قائمة "المواد مزدوجة الاستخدام".
وأوضح المركز الحقوقي، في البيان الذي اطلعت عليه وكالة (سبأ)، أن هذه الإجراءات تسببت في توقف وخروج 70% من المركبات المدنية ووسائل النقل عن الخدمة بشكل كلي أو جزئي. ووفقاً للبيانات والتصريحات الرسمية، قدّرت الخسائر المالية المباشرة التي لحقت بقطاع النقل والمواصلات بنحو 2.8 مليار دولار، مما أثر بشكل مباشر على قدرة طواقم الإغاثة والإسعاف وحركة المدنيين ونقل البضائع والمساعدات داخل مدن ومخيمات القطاع.
مخاطر العودة
وتزداد معاناة الملايين من النازحين الراغبين في العودة إلى ديارهم، نتيجة خطورة الأوضاع الميدانية والوجود العسكري الإسرائيلي خلف ما يُعرف بـ"الخط الأصفر"، فضلاً عن الانتشار المكثف للعبوات الناسفة والأجسام المنفجرة في الطرق والمناطق السكنية.
وحذرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان للنازحين، الدكتورة باولا جافيريا، خلال مداخلة هاتفية مع قناة "القاهرة الإخبارية"، من خطورة الاعتداءات والاستهدافات الميدانية في مناطق نزوح السكان، مشيرة إلى أن تقارير عدة أكدت تعرض مدنيين للهجوم والتعدي من قبل القوات الإسرائيلية أثناء محاولتهم تجاوز "الخط الأصفر" لتفقد منازلهم في الشمال أو الوصول للخدمات.
وشددت على أن تحقيق أي عودة آمنة يتطلب تأمين البيئة الميدانية وإزالة مخلفات القصف لضمان سلامة السكان، وخاصة الأطفال.
تفاقم أزمة المأوى لـ 94% من السكان
وبالموازاة، كشف تقرير صادر عن مجموعة المأوى برئاسة المجلس النرويجي للاجئين (NRC) أن نحو 2 مليون فلسطيني (أي 94% من إجمالي سكان القطاع) يفتقرون للمأوى الآمن والمواد المنزلية الأساسية.
وأشار التقرير، الذي نشره موقع المجلس النرويجي، إلى أن 4 من كل 5 أسر يعيشون في مآوٍ حرجة وكارثية لم تُصمم أصلاً للإقامة طويلة الأمد، وسط غياب الوقود والإضاءة ومستلزمات الحماية من الحر والبرد.
وأكدت التقديرات الأممية أن نسبة المساعدات المقدمة في مجال المأوى لم تتعدَّ أسرة واحدة من بين كل عشر أسر خلال شهر يونيو الماضي، نتيجة استنزاف مخزون الخيام والشوادر داخل القطاع، والقيود الصارمة المفروضة على المعابر.
وقالت جيهان سليم، المنسقة الوطنية لمجموعة المأوى: "لا يكون المأوى ملائماً لمجرد أن له أربعة جدران أو سقف. يجب أن تتمكن الأسر من النوم والطهي والغسل والحفاظ على سلامة أطفالها داخله. وبعد عشرة أشهر على وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، أمضت معظم الأسر أكثر من عام في مآوٍ لم تُصمَّم قط للإقامة طويلة الأمد. ولا تزال المواد اللازمة لإصلاح المنازل واستعادة الخدمات الأساسية وتوفير مآوٍ محسنة لا تدخل غزة بحجم يقترب من المستوى المطلوب".
40 مليون طن من الركام وتفشي الآفات
وعلى الصعيد العمراني والبيئي، بات حجم الأنقاض في قطاع غزة يشكل عقبة أمام إعادة الخدمات وتيسير الحياة اليومية.
وبيّنت وزارة الأشغال والإسكان بغزة أن حجم الركام الناجم عن القصف والاستهدافات تجاوز 40 مليون طن في مختلف المحافظات، وهو حجم يفوق ما خلفته صراعات كبرى في التاريخ الحديث.
وأوضحت ممثلة الوزارة، نجلاء حماد، أن الاستهداف المتواصل لخيام النازحين يعبّر عن سياسة لتدمير مقومات الحياة، لافتة إلى أن طواقم الوزارة تواجه نقصاً حاداً في الآليات الثقيلة جراء إغلاق المعابر وتدمير المعدات، وفق وكالة سند للأنباء.
وبيّنت أن عمليات تجميع وتكسير الأنقاض تقتصر حالياً على 4 مواقع فقط من أصل 10 تم تحديدها، لعدم توفر الحفارات والشاحنات اللازمة.
من جانبه، حذّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) من المخاطر البيئية والصحية الناتجة عن تراكم النفايات والركام وتراجع كفاءة الصرف الصحي، مما أدى إلى انتشار الآفات والقوارض بشكل يهدد السلامة العامة، مسجلاً إصابات بين الأطفال النازحين جراء عضات القوارض والشرانق في بؤر التجمع السكاني والمباني المهدمة.
وختاما، تُظهر تفاصيل هذه التطورات الميدانية والخدمية والإنسانية، بعد انقضاء أكثر من عشرة أشهر على إعلان ما سمي بـ"اتفاق وقف إطلاق النار"، أن واقع الحال في قطاع غزة لم يشهد أي انفراجة ملموسة، بل تحولت التهدئة المزعومة إلى مظلة لاستمرار استنزاف مقومات عيش السكان؛ حيث يواصل العدو الإسرائيلي خروقاته الميدانية وعمليات القصف المباشر، متزامنة مع فرض حصار مشدد يمنع دخول المواد الأساسية وقطع الغيار والخيام والأدوية.
إن استمرار الأوضاع على هذا النحو، في ظل هذا الصمت والتواطؤ الدولي وغياب آليات الإلزام، يضع أكثر من مليوني مدني فلسطيني تحت وطأة كارثة إنسانية تتفاقم يومياً، محولةً حياتهم إلى صراع يومي دائم للبحث عن أدنى مقومات البقاء وأبسط حقوق العيش الآمن.
إن ما يعيشه قطاع غزة بعد 315 يوماً من "الهدنة الوهمية" ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لضمير البشرية جمعاء.
إن استمرار هذا الواقع المأساوي يكشف زيف الادعاءات الدولية بحماية المدنيين، ويثبت أن جريمة الإبادة الجماعية الصهيونية تُمارس تحت سمع وبصر العالم، وبغطاء سياسي مباشر.
وفي ظل هذا الانهيار الشامل، يبقى الشعب الفلسطيني في غزة، بثورته وصموده، الشاهد الوحيد على هذه الجريمة، رافضاً الاستسلام لمقصلة الحصار والموت، ومطالباً العالم ليس بتصريحات الشجب فحسب، بل بتطبيق فوري وقوي للقانون الدولي لوقف هذا المسلسل الإجرامي الذي لم يعد يحتمل التأجيل.
سبأ

