السياسية || محمد محسن الجوهري*


تعلم واشنطن أن حلفاءها في المنطقة كانوا في مأمن من القصف الإيراني حتى شنت هي بنفسها عدوانها الثاني على الجمهورية الإسلامية في أواخر فبراير 2026، وهو العدوان الذي كلف أمريكا الكثير وتسبب في خسارتها لحلفائها الإقليميين وأمنهم القومي وخسارة مضيق هرمز الشريان النفطي الأهم في العالم، وهو الأمر الذي كان بإمكانها أن تتفاداه لو أنها اختارت طريق السلم مع طهران.



لقد جازف الأمريكيون بأمن حلفائهم واستقرارهم الاقتصادي من أجل حرب عبثية مع دولة عظيمة قادرة على تغيير قواعد اللعبة في زمن قياسي، والكارثة أن واشنطن كانت تعلم حجم القوة الإيرانية من قبل عدوانها على طهران، ولكنها لا تحترم حلفاءها رغم حجم ما تأخذه من ثرواتهم، ورغم أنهم كانوا على استعداد على بذل المزيد من الثروات وشروط الولاء والطاعة مقابل أن تسلم مصالحهم وأن تتخلى واشنطن عن مشاريعها التدميرية في المنطقة.



ورغم أن الإعلام الخليجي لا يجرؤ على انتقاد واشنطن، إلا أن الإعلام الأمريكي نفسه يتحدث عن إحباط خليجي واسع ومشاعر متضاربة تجاه السياسة الأمريكية في المنطقة، فمثلاً - نشرت صحيفة واشنطن بوست هذا التقرير في تاريخ 15 أغسطس 2026، وجاء تحت عنوان رئيسي يعكس طبيعة الأزمة: “Frustration with Trump grows among U.S.’s Persian Gulf allies, officials say” والذي يشرح عمق الأزمة وتزايد حدة الإحباط والقلق لدى حكومات دول الخليج تجاه الإدارة الأمريكية بسبب القرارات الأحادية في التعامل مع إيران بسبب تداعيات الهجمات المتبادلة في فبراير 2026 وإغلاق مضيق هرمز. التقرير أشار إلى شعور دول الخليج بالإحباط وفقدان الثقة في القيادة الأمريكية، مما دفعها للبحث عن ترتيبات أمنية إقليمية مستقلة لضمان استقرارها.



وبعيداً عما تتضمنه الوسائل الغربية للإعلام فإن الواقع الخليجي يؤكد أن مرحلة الرفاهية قد انتهت، وأن ما عاشته دول الخليج على مدى أربعة عقود من الثراء أصبح اليوم من الماضي، وأن السبب الرئيسي لهذه النكبة هي الهمجية الأمريكية التي لا تحترم حلفاءها ولا تلتزم باتفاقياتها الضامنة لأمن دول الخليج، وهي الاتفاقيات التي تكلف تلك الدول تريليونات سنوياً، إلا أنها ذهبت بكلها أدراج الرياح.



ولذلك لم يكن مستغرباً أن تبحث دول الخليج عن ترتيبات أمنية جديدة قائمة على الشراكة مع طهران، وهو ما أعلنه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، مؤخراً عن تلقي إيران رسائل من دول مجاورة بشأن صياغة ترتيبات أمنية جديدة وتعاون اقتصادي في المنطقة، بعد أن عرضت واشنطن أمن كل واحد من حلفائها للخطر من خلال ما وصفه بـ "البلطجة" والتجاهل التام لمصالحهم لصالح "إسرائيل".



وهو الأمر نفسه الذي تؤكده المعاهدات السعودية اللاهثة للسلام، حيث لم تدع الرياض فرصة لتوقيع اتفاق سلام مع أي دولة إلا ووقعته، بعد أن أدركت أن الحماية الأمريكية لا تغني من جوع، وأن الأطراف الإقليمية أقوى من الحليف الأمريكي الذي أثبت فشله في عدوانه على إيران وباتت جيوشه وحاملاته العسكرية حديث العالم ومثار سخريته، فالقوات الأمريكية تعجز عن حماية نفسها فكيف بحماية حلفائه في الشرق الأوسط!



من هنا، فإن التحولات الراهنة تؤشر بوضوح إلى نهاية "مرحلة الرفاهية والاطمئنان المصطنع"، وبداية مرحلة شاقة ولكنها واعدة من "الواقعية السياسية". فالتوجه نحو فتح قنوات حوار جادة مع طهران، وصياغة ترتيبات أمنية واقتصادية إقليمية مستقلة، وإدراك أن السلام الحقيقي يبنى بالشراكة لا بالتبعية، كلها مؤشرات تؤكد أن الشرق الأوسط بدأ يشق طريقه نحو نظام أمني ذاتي جديد. نظام يدرك فيه الجميع أن أمن المنطقة كلٌ لا يتجزأ، وأن الأبواب المفتوحة للسلام الشامل والتوازن الإقليمي هي وحدها الكفيلة بحماية المصالح العليا، بعيداً عن سياسات "البلطجة" والتدمير التي تمارسها قوى الهيمنة الغربية لحسابات إسرائيلية ضيقة.






* المقال يعبر عن رأي الكاتب