ذكرى المولد رسالة تعظيم ومحبة وتأكيد على سيرة المجد الإيماني
مبارك حزام العسالي*
تخوض الأمة الإسلامية اليوم معركة وعي وجودية تتطلب العودة إلى ينابيع قوتها الإيمانية، وفي مقدمتها الاستمساك بالرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا يقتصر الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف على كونه طقسًا عاطفيًّا، بل هو تجديدٌ لموقف إيماني واستراتيجي يُعيد للأمة فاعليتها الحضارية والجهادية في مواجهة قوى الاستكبار.
تُمثّل ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، محطة استثنائية في تاريخ البشرية؛ فهي الذكرى الخالدة لظهور نور الهدى والرحمة المهداة، الذي أخرج الأمة من ظلمات الجاهلية إلى نور العدل والحرية.
إن رفعة ذكر النبي الأكرم مقترنة بأمر إلهي صريح بتكريمه والتبرك بالصلاة والسلام عليه، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، ومن هذا المنطلق، يأتي تعظيم هذه المناسبة كاستجابة إيمانية صادقة وتذكير بأعظم نعم الله على العالمين، ردًّا على كل الدعاوى القاصرة التي تحاول تجريم الاحتفاء بذكرى مولده العاطر تحت شماعة البدعة.
الاحتفاء بالمناسبات الوطنية أو الأيام العالمية يُقبل بغير كفاءة، بينما يُستكثر على أمة الإسلام أن تحتفل بالحدث الأبرز الذي وضع اللبنات الأولى لحقوق الإنسان الحقيقية وأقام موازين الحق؛ فكيف لا تُحيي الأمة ذكرى من أخذ الله له الميثاق على سائر الأنبياء والمرسلين للإيمان به ونصرته، وكان دعوة الخليل إبراهيم وبشارة المسيح عيسى عليهما السلام، ومسطور الصفات في التوراة والإنجيل كـنبيٍّ يحلّ الطيبات ويضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.
وتتجلى عظمة الرسول الأعظم فيما أسبغه الله عليه من الثناء الثابت بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وهي الحقيقة التي أقرّ بها حتى المنصفون من مؤرخي الغرب، الذين صنفوه في صدارة أكثر الشخصيات تأثيرًا وقيادةً في التاريخ الإنساني، وتتكامل هذه المكانة مع المنظومة الإيمانية الجامعة للأمة التي تؤمن برسل الله كافة دون تفريق، وتستمد من سيرة خاتمهم دروس الصمود والرحمة والوحدة.
إن التمسك بهوية المولد النبوي الشريف هو تعزيز للهوية الإيمانية الأصيلة ورسالة صمود جليّة في وجه المشاريع الثقافية الغريبة، التي تسعى لفصل الأمة عن مقدساتها ورموزها الدينية؛ لقد مثل اليمنيون عبر التاريخ النموذج الأرقى في نصرة الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- منذ عهد الأنصار، وها هم اليوم يجددون هذا الوفاء والولاء في الساحات والميادين، معلنين تمسكهم بالمنهج النبوي الشريف في مواجهة الطغيان والاستكبار العالمي.
واستحضار السيرة النبوية في هذا التوقيت العصيب يزود الأمة بالوعي والبصيرة لمواجهة قوى الظلم، ويؤكد أن العزة والحرية لا تُنالان إلا بالسير على خطى سيد المرسلين؛ كما أن الاحتفاء الحقيقي ينعكس في ترجمة أخلاقه -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى واقع عملي يجسد التكافل الاجتماعي، وتفقّد الفقراء والمساكين، وإفشاء قيم الرحمة والمؤاخاة بين أبناء المجتمع، ليكون المولد النبوي محطة شحن معنوي وإيماني تتجدّد معها الطاقات لبناء مجتمع قوي متماسك.
إننا وفي هذه الذكرى المباركة، ندعو الشعب اليمني العزيز والأمة الإسلامية والإنسانية قاطبة، إلى تجديد الولاء لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- واستلهام قيم الجهاد والرحمة والمحبة من سيرته النيرة؛ فالنبي الأكرم المذكور في كل أذان وصلاة، والمقرون اسمه بالشهادة، أحق أن تُقدّم محبته على النفس والمال والولد؛ ليبقى المولد النبوي الشريف محطةً لاستعادة المجد، واستجماع القوة، ورفض كل أشكال التجهيل والتضليل.
ختامًا، نهنئ أمتنا الإسلامية والشعب اليمني الأبي بهذه الذكرى العطرة، سائلين الله تعالى أن يعيدها على أمتنا بالخير واليُمن والبركات، وبالنصر والتمكين والعزة والرفعة، وأن يمنّ على مجتمعاتنا بالأمن والأمان، وعلى الشعوب المستضعفة بالفرج القريب، وكل عام وأمتنا الإسلامية والشعب اليمني بخير وعزة وكرامة، على درب الرسول الأعظم صامدون ومن نهجه مستمدون.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

