السياسية -تقرير :


في مقهى مكتظ بقلب العاصمة صنعاء، يقلّب شاب عشريني شاشة هاتفه بسرعة خاطفة؛ ينتقل بين مقطع "تيك توك" ساخر يقلل من قيمة الإنسان، وإعلان تجاري يكرّس مظاهر المادية، و"ترند" هابط، وبضع رسائل غير مباشرة تروج لنمط حياة يجرد الفرد من جذوره ومبادئه.


وعلى بعد أمتار قليلة خارج الشاشة، تتزين الشوارع والمنازل والمبان وتضيء المآذن استقبالاً لذكرى المولد النبوي الشريف.

ما بين هذين المشهدين تختزل المعركة الثقافية الحقيقية؛ معركةٌ لا تُستخدم فيها الأسلحة التقليدية، بل الصوت، الصور، والكلمات، والخوارزميات.

وفي قلب هذا التدفق المعرفي المتلاطم كأمواج البحر، تبرز الحاجة الماسة لتحويل السيرة النبوية إلى قوة فكرية حية تُحصّن الوعي وتحمي الهوية أمام موجات الحرب الناعمة.

تشير دراسات إعلامية حديثة إلى أن الجيل الجديد يقضي ما يتجاوز ست ساعات يومياً في استهلاك محتوى رقمي عابر للحدود، يُصمم غالباً لتفكيك المرجعيات الأخلاقية، وإحلال الفردية المطلقة محل القيم الجمعية.

في هذا السياق، يرى أكاديميون تحدثوا لوكالة الانباء اليمنية (سبأ) أن الحرب الناعمة لم تعد مجرد مصطلح للاستهلاك الإعلامي، بل أضحت واقعاً يمس تفاصيل الحياة اليومية خاصة بعد أن غزت الشاشات الذكية البيوت والعقول معاً.

كما بات استهداف الهوية الفكرية أمرا محتوما عبر الوسائط المتعددة والمسلسلات وصنّاع المحتوى ممن يعتمدون على التسطيح والتشكيك التراكمي.

ومن هنا تبرز أهمية الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف كونها ليست فقط ذكرى دينية أو مناسبة روحية، بل حائط صد ثقافي يمنح الأجيال استقلالها الفكري، ويُذكرها بمرجعيتها الأصيلة في مواجهة التبعية وتذويب الشخصية، كما يبعث برسالة محبطة إلى الإعلام المعادي وأدواته مفادها أن الأمة لم تفقد ارتباطها بهويتها الإيمانية والفكرية رغم كل محاولات الاختراق والهدم.

وفي حسابات القوى المعادية، وعلى رأسها دوائر التخطيط الفكري والصهيوني، لا يُقاس أثر الحرب الناعمة بحجم المحتوى المنشور فحسب، بل بمحاولة تحييد الشعوب وتجريدها من رموزها.

ومن هنا، يكتسب الخروج الجماهيري الحاشد والاحتفاء بالمولد النبوي بُعداً إستراتيجياً يُحبط تلك المراهنات؛ إذ يتحول الميدان إلى استفتاء حي يُوجه رسالة صريحة لأعداء الأمة مفادها أن الاستثمار الطويل في التزييف والتمييع لم يزد هذه المجتمعات إلا ثباتاً وتماسكاً حول نقطة ارتكازها الأولى.

يرى متخصصون في الإعلام أن الخطاب التقليدي لم يعد كافياً؛ فالاكتفاء بالوعظ الجاف أو سرد الوقائع التاريخية كأحداث ماضية يفصل السيرة عن واقع الشباب وتحدياتهم اليومية.

كما يرون أن التحول المطلوب اليوم يكمن في تقديم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كقائد وبانٍ لأعظم منظومة قيمة وتغييرية عرفها التاريخ الإنساني.

كما ينبغي إعادة قراءة السيرة كونها تسلط الضوء على مبادئ الحرية، والعدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان، ورفض الخنوع والاستغلال.

فحين تُقدم السيرة بهذا المنظور العملي، تتحول من مجرد نص تاريخي إلى منهج تحرري يفكك المفاهيم الوافدة ويمنح الفرد أدوات نقدية يفحص بها ما يُعرض عليه عبر الشاشات قبل أن يلتهمه.

ويؤكد المختصون إن المشهدية الجامعة للاحتفال تُشكل بحد ذاتها أداة كسرٍ للحصار النفسي الذي تُحاول أدوات الكيان الصهيوني وداعموه إفراده على الوعي الجمعي.

فحين يرى الأعداء أمة تجتمع بملايينها على امتداد الساحات لتهتف بمرجعيتها النبوية، تتهاوى ادعاءات السيطرة الفكرية وتفكك المجتمعات؛ إذ تبرز هذه المناسبة كدرع رقمي وميداني يؤكد أن الأمة التي تجيد الاحتفاء بنبيها لا تزال تملك المبادرة لحماية هويتها ومواجهة كافة مشاريع التشويه والارتهان.

ويرى المختصون أن العقبة الكبرى تكمن أمام المؤسسات الإعلامية اليوم في لغة الخطاب أكثر من أي شيء آخر، فالجيل الرقمي يتحدث بلغة البصريات والمواضيع المكثفة السريعة، مما يحتم على الصحافة والإعلام الحديث تطوير أدواتهما.

ويرون أن مواجهة التزييف الثقافي تتطلب إنتاج محتوى رقمي ذكي؛ من وثائقيات قصيرة، وبودكاست تحليلي، وغرافيكس تفاعلي يخاطب العقل قبل العاطفة، ولا يتعلق الأمر بالرد الانفعالي على الشبهات، بل بالمبادرة إلى طرح السيرة النبوية كإجابات حاسمة لأسئلة الشباب حول الوجود، والأخلاق، والغاية من الحياة، بأسلوب يستوعب أدوات العصر دون التفريط في أصالة المضمون.

تأتي ذكرى المولد النبوي الشريف والاحتفال بها في هذا العصر لتعيد رسم معالم الطريق، وتضع وسائل الإعلام وغيرها من الجهات المعنية أمام مسؤوليتها في الإسهام الفاعل في بناء إنسان يمتلك الوعي والاعتزاز بهويته، من خلال إعادة تقديم الرسالة النبوية كقوة بناء وتجديد لا تنضب.