السياسية:
محمد محسن الجوهري*



في كتابه الشهير "نصوص يمنية عن الحملة الفرنسية على مصر"، يوضح المؤرخ المصري الشهير سيد مصطفى سالم الدور اليمني الكبير في إفشال الحملة الفرنسية على مصر؛ حيث تحرك إمام اليمن في تلك الفترة، الإمام علي بن عباس بن حسين القاسم (1738 – 1809)، وحشد المجاهدين إلى الحرمين الشريفين بعد أن تلقى رسالة استغاثة من حاكم مكة حينها، الشريف غالب بن مساعد بن سعيد، التي حذر فيها من الزحف الصليبي الفرنسي وخذلان السلطان العثماني لمصر ولبلاد الحرمين. وقد تحرك إمام اليمن، ومن مكة المكرمة أُعلن النفير الجهادي تجاه أرض الكنانة، وتكفل اليمنيون بتكاليف الجهاد في مصر، واستشهد الآلاف منهم ودفنوا في مقابر الإمام الشافعي في القاهرة بعد أن نجحوا في دحر أول حملة استعمارية في العصر الحديث.

وهذه الصفحة من التاريخ لا يريد لها المستعمرون أن تخرج للعلن، وكذلك الأمر بالنسبة للطغاة، وأولهم آل سعود في هذا العصر؛ ولكن في ظل الحديث عن "إسرائيل الكبرى"، فإن المرحلة تحتاج إلى الرجال، وليس سوى الشعب اليمني قادر على الذود عن الحرمين الشريفين؛ فهم الأشداء على الكفار الرحماء على الأمة، وهم أمة محمد (صلى الله عليه وآله) وأنصاره ورجاله حين الملمات، وليس سواهم يملك الجرأة والشجاعة على مقارعة الهيمنة الخارجية. وقد رأينا آل سعود وخذلانهم للأمة الإسلامية وعمالتهم لليهود وتطويع بلاد المسلمين للاحتلال الخارجي وتفريق أي جهود من شأنها توحيد الأمة الإسلامية.

كما رأينا كيف جعلوا من بلاد الحرمين مرتعاً للفساد والإثراء المادي على حساب المقدسات التي جعلوها سياحية بحتة، وفرضوا على حجاج بيت الله وزوار رسوله (صلى الله عليه وآله) تكاليف مالية باهظة، وأفرغوا الحج من مضمونه الديني والجهادي، وبات وسيلة لتفريق المسلمين بعد أن جعله الله سبباً لتوحيدهم وتذكيرهم بأنهم أمة موحدة تؤمن بإله واحد ونبي واحد، وأن العدو لبعضهم هو عدو للمسلمين كافة.

ولو كان أمر الحرمين بيد الشعب اليمني لكان للناس سواءً كما أمر الله، وما كان لأهل اليمن أن يمنعوا المسلمين من زيارة بيت الله وزيارة مسجد نبيه، بل سيكونون عوناً لهم، وسيتباورون فيما بينهم لخدمة ضيوف الله وحمايتهم، والعمل على توفير كل التوجيهات الإلهية لإقامة الحج، ومنها الدعوة للاعتصام بحبل الله وتوحيد الأمة الإسلامية وكسر الحدود التي رسمها لنا العدو الأجنبي وفرق بها الأمة إلى عشرات الدول بعد أن كانوا أمة واحدة يجمعها دين واحد وقبلة واحدة.

كما أن ثروات الحرمين الشريفين التي سخرها الله لخدمة بيته وحماية زواره الكرام ستذهب إلى مكانها الصحيح، وستكون عاملاً قوياً في تحرير بلاد المسلمين والحد من مشاكلهم المختلفة تماماً كما ينبغي أن تكون، وعلى الأقل لن تذهب لأعداء الله، كما يفعل آل سعود اليوم، حيث تذهب ثروات الأمة إلى أعدائها من أجل تركيعها هي وقتل أبنائها. وما نراه في غزة ليس إلا نتيجة لاحتلال آل سعود لبلاد الحرمين وتسخير ثرواتها للعدو وتثبيط المسلمين عن الجهاد في سبيل الله والعمل على تفريق كلمتهم.

إن رعاية الحرمين الشريفين من منظور الفكر الإسلامي المرتبط بأهل اليمن ترتكز على مبدأ إعلاء كلمة الله وتوحيد صفوف الأمة، بعيداً عن الاستثمار التجاري أو السياحي للمقدسات. ولو أُتيحت لإدارة الحرمين أن تكون تحت ولاية يمنية خالصة، لتم توجيه العوائد والإمكانات المادية نحو مشروع التحرر الإسلامي الشامل ودعم المستضعفين، استناداً إلى الإرث التاريخي المتمثل في نصرة قضايا الأمة والوقوف بحزم ضد الهيمنة الأجنبية والتحالفات مع قوى الاستعمار.

كما يمثل الحضور اليمني في إدارة المقدسات الإسلامية ضمانةً لإعادة الحج إلى جوهره الجهادي والروحي الجامع، كمنبر عالمي للاعتصام بحبل الله وكسر الحدود المصطنعة بين المسلمين. ويمتلك الشعب اليمني، بما جُبل عليه من صلابة وشجاعة في مقارعة الظلم، القدرة الكافية على حماية الحرمين وصيانة حرمتهما، وجعلهما ملاذاً آمناً لجميع المسلمين دون تمييز أو إقصاء، بعيداً عن سياسات التثبيط والتطبيع التي تخدم الأجندات الخارجية.

ويبقى التاريخ شاهداً على مواقف الشعب اليمني الثابتة في نصرة قضايا الأمة الإسلامية والذود عن مقدساتها، انطلاقاً من إيمانه العريق وعزيمته الصلبة التي لا تلين أمام عواصف التآمر والهيمنة. وإن تطلع الأحرار لأن تكون إدارة الحرمين الشريفين منارةً للتوحيد والجهاد، ودرعاً حامياً للمستضعفين، يظل مطلباً عادلاً ينسجم مع روح الإسلام العظيم وتطلعات أمته نحو العزة والكرامة والاستقلال، فالمسؤولية التاريخية والدينية تحتم على كل أبناء الأمة استنهاض الضمائر الحية، واستعادة الوجهة الحقيقية لمقدرات المقدسات الإسلامية، لتكون كما أرادها الله تعالى حاضنةً لوحدة المسلمين، ورافعةً لراية الحق، ومرتكزاً أساسياً لكسر قيود الاستبداد والتبعية، تمهيداً لبناء مستقبل مشرق تعود فيه الأمة لسالف مجدها وعزها.


* المقال يعبر عن رأي الكاتب