حشود مليونية يمنية تحيي ذكرى مولد سيد الكونين
طوفان الجنيد*
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾
في يومٍ من أيام الله، الثاني عشر من ربيع الأول للعام 1448هـ، شهد اليمن مشهدًا إيمانيًا مهيبًا، تعجز أمامه الكلمات وتتلاشى عند عظمته الأوصاف؛ إذ جسّد أنصار رسول الله في يمن الإيمان والحكمة واحدةً من أبهى وأسمى صور الوفاء والعشق المحمدي الأصيل.
خرجت الحشود المليونية في طوفان بشري هادر، لم تشهد له المنطقة مثيلًا، لتملأ الساحات والميادين بالرايات الخضراء، والتكبيرات والتهليلات، احتفاءً بذكرى مولد خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الكونين، ورحمة الله للعالمين، الرسول الأكرم محمد بن عبد الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.
لم يكن هذا الاحتشاد مجرد تظاهرة احتفالية عابرة، بل كان إعلانًا صارخًا وتجديدًا واضحًا لميثاق الأجداد من الأنصار الذين آووا ونصروا واستقبلوا الرسول الأعظم بالبشر والترحاب.
واليوم، يعيد أحفاد الأنصار كتابة التاريخ بمداد من النور، ليؤكدوا للعالم أجمع أن نبي الرحمة ما زال حيًّا في قلوبهم، وأن نهجه هو البوصلة التي تهتدي بها الأمة في أحلك الظروف وأصعب التحديات.
تلاطمت أمواج البشر في الساحات المركزية بمختلف المحافظات اليمنية، حيث تقاطر المواطنون منذ ساعات الصباح الأولى، رجالًا وشبابًا وأطفالًا، وقد ارتسمت على وجوههم ملامح الفخر والاعتزاز.
ورُفعت الرايات الخضراء والبيضاء، وصدحت الحناجر بالصلاة على النبي وآله، وبالأهازيج الشعبية والقصائد المديحية التي تروي سيرة خير خلق الله، وتستحضر مناقبه العظيمة، وترسّخ قيم التماسك والإخاء والارتقاء الروحي والأخلاقي.
كلمة السيد القائد.. البعد الإيماني والاستراتيجي
وقد شكّلت كلمة السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي المحور الأساسي لهذه المناسبة الدينية العظيمة، حيث أطلّ بطلعته المحمدية على الملايين المحتشدة، بكلمة حملت أبعادًا إيمانية واستراتيجية عميقة، ومواقف واضحة وحازمة.
وتضمنت الكلمة مجموعة من التأكيدات القيادية والتوجيهات الإيمانية التي لخّصت الصورة الحقيقية لمعنى الولاء والانتماء للرسول الأكرم، والرؤية الصادقة والحقّة للشعب اليمني ومواقفه الثابتة.
وكان من أبرز ما أكدت عليه الكلمة:
أولًا: الهوية الإيمانية والارتباط المصيري
أكد السيد القائد أن احتفاء الشعب اليمني الصامد بهذه المناسبة، وتصدّره لمظاهر الاحتفاء بها بين الشعوب الإسلامية، ليس مجرد طقس عابر، بل هو تعبير عن عمق الهوية الإيمانية، وتجديد للولاء الصادق للرسول الأعظم، واستمداد للقوة والبصيرة من نهجه القويم في مواجهة قوى الطاغوت والاستكبار.
ثانيًا: الثبات على المواقف الإيمانية ونصرة فلسطين
أكد كذلك الثبات على المواقف الإيمانية في نصرة فلسطين حتى زوال الاحتلال وتحرير المقدسات، والوقوف الكامل مع قضايا الأمة في لبنان وإيران والعراق وسوريا، والتأكيد على وحدة الساحات، باعتبار ذلك التزامًا دينيًا وإنسانيًا لا يخضع للمساومة، ولا يتأثر بالضغوط والتهديدات الخارجية.
ثالثًا: التمسك بالكرامة والحقوق العادلة
كما أكد أن تمسّك الشعب بكرامته وحقوقه العادلة، والمضي في انتزاع حقوقه والانتصار لمظلوميته، هو خيار ثابت لا تراجع عنه، قائلًا إن الشعب اليمني، بحشوده غير المسبوقة ووعيه المتجذر، لن يقبل أبدًا بمصادرة حقوقه المشروعة أو الالتفاف على كرامته وسيادته، مهما كان حجم التحديات أو شدة المؤامرات.
رابعًا: دعوة الأمة إلى الوحدة والعودة إلى القرآن
وجّه السيد القائد دعوة صريحة إلى أمة الإسلام والقرآن لجمع الكلمة وتحقيق الوحدة الإسلامية، والعودة الصادقة إلى القرآن الكريم والرسول الأعظم باعتبارهما مرجعيةً وملاذًا لمعالجة الأزمات والمتغيرات، وتجاوز حالة التفرقة، وتحقيق الاستقلال الفكري والسياسي والاقتصادي عن القوى الاستعمارية.
رسائل الطوفان البشري
إن هذا الطوفان البشري الهادر، بالتوازي مع التوجيهات والتأكيدات التي وردت في خطاب السيد القائد، يحمل في طياته رسائل حضارية وإيمانية متعددة الأبعاد، من أبرزها:
التمسك بالهوية الإيمانية:
تأكيد أن الشعب اليمني ماضٍ في حماية هويته الإسلامية، واستمداد قوته وصموده من سيرة النبي الأكرم وتضحياته.
الاستجابة للتوجيهات والقيادة:
التفاعل الشعبي الواسع مع مضامين كلمة السيد القائد، وتحويلها إلى خارطة طريق عملية في أبعادها الأخلاقية والسياسية والجهادية.
الوحدة والتلاحم:
تجسيد المظهر التلاحمي الفريد الذي يجمع أبناء الوطن تحت راية المحبة لرسول الله، متجاوزين كل الرهانات والمراهنات.
الاستجابة لنداء القيم:
استلهام دروس العدل والرحمة ومواجهة الظلم والانتصار للمظلومين، وهي المبادئ السامية التي جاء بها نبي الرحمة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
ختامًا
لقد أثبت يمن الأنصار للعالم قاطبةً أن حب محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، ليس مجرد شعار يُرفع، بل هو منهج حياة، وواحة إيمان، وقوة تتدفق في عروق هذا الشعب الصامد.
وستبقى هذه الذكرى العطرة محطةً سنوية تتجدد فيها طاقات الأمة، وتستنير بدرب صاحب المولد الشريف، ليظل اليمن كما كان دومًا: نبع الإيمان، وموئل الحكمة، وراية النصرة لرسول الله وآله الكرام.
لبيك يا رسول الله.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

