بين الحصار والاستيطان.. الفلسطينيون يخوضون معركة البقاء في قرى الضفة
السياسية - وكالات:
حين يصبح المنزل محاصرًا، والطريق مغلقًا، والأرض ممنوعة على أصحابها، لا يعود الأمر مجرد اعتداء عابر؛ بل يبدأ التهجير من تفاصيل الحياة اليومية.
في قرى الضفة الغربية، تتسع دائرة الحصار والاستيطان، من قصرة جنوب نابلس إلى المغير وترمسعيا وأبو فلاح، وسط اعتداءات متصاعدة وضغوط تدفع السكان إلى مواجهة معركة مفتوحة من أجل البقاء في أرضهم.
ففي هذه القرى، لا تتوقف الضغوط عند الاعتداءات الفردية، بل تمتد إلى المنازل والأراضي والممتلكات، في مشهد يترافق مع حماية قوات العدو الآسرائيلي للمستوطنين وغياب آليات فعالة للردع والمحاسبة.
في بلدة قصرة جنوب نابلس، يبدو المشهد أكثر وضوحًا؛ إذ يعيش أكثر من 15 منزلًا تحت وطأة الحصار والقيود، بالتزامن مع تواجد مستوطنين بين منازل المواطنين منذ نحو ثلاثة أسابيع.
ويقول الناشط والباحث الحقوقي في مواجهة الاستيطان، بشار القريوتي لوكالة (سند للأنباء) الفلسطينية، إن هذا التواجد ترافق مع إقامة مواقع وثكنات عسكرية في محيط المنطقة، ما أدى إلى فرض قيود صارمة على حركة ثلاث عائلات.
ويشير القريوتي إلى أن غياب الردع الفعلي يمنح المجموعات الاستيطانية مساحة واسعة للتحرك والتجوال بين المنازل الفلسطينية، في محاولة لفرض واقع جديد على سكان البلدة.
ولا تقتصر الصورة على قصرة؛ إذ تشير تقارير ميدانية إلى أن أكثر من عشرة منازل في مناطق جنوب نابلس تعيش أوضاعًا بالغة الصعوبة نتيجة هذه الضغوط، ولا سيما في قريوت وعقربا وجوريش، فيما تتكرر أنماط التضييق في مناطق رام الله وجنوب الخليل.
ويقول المستشار في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، محمد إلياس، إن اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية تتخذ طابعًا تصاعديًا في ظل مناخ سياسي وأمني يتيح لهم التحرك بحرية ودون محاسبة.
ويشير إلياس إلى أن هذه الممارسات تجاوزت، وفق تقديره، إطار الاعتداءات الفردية لتصب في مشروع استيطاني وتهجيري أوسع يستهدف تضييق الخناق على التجمعات الفلسطينية ودفع سكانها نحو الرحيل.
وتشمل الاعتداءات، بحسبه، إحراق المنازل، وعرقلة حركة المواطنين، واستهداف الأراضي والأشجار وممتلكات السكان، مؤكدًا أن تكرار هذه الوقائع واتساع نطاقها يعكسان طابعًا منظمًا.
ويلفت إلى أن قوات العدو الإسرائيلي توفر في كثير من الحالات غطاءً للمعتدين، بالتزامن مع غياب آليات ملاحقة قانونية فعالة، فيما يواجه الفلسطينيون عراقيل إضافية عند محاولة تقديم الشكاوى، من بينها مطالبتهم بتحديد هويات المعتدين الملثمين.
ويضيف أن الظاهرة تتسع في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، وتتركز بشكل ملحوظ في القرى الشرقية والأغوار ومناطق نابلس وأريحا ورام الله وبيت لحم والخليل.
وبحسب إلياس، تشمل بؤر التركيز الحالية قصرة وأبو فلاح وترمسعيا والمغير، حيث تتعرض التجمعات لضغوط استيطانية متفاوتة تهدف إلى دفع السكان نحو ترك أراضيهم.
من جانبه، يرى القريوتي أن ما تشهده الضفة الغربية يرتبط بمسار تتحرك فيه الأطراف العسكرية والمستوطنون بصورة متوافقة للسيطرة على ممتلكات الفلسطينيين وتوسيع النطاق الاستيطاني.
ويبيّن أن التجمعات الفلسطينية تمر بمرحلة بالغة التعقيد، في ظل تزايد مساعي السيطرة على المنازل بالتزامن مع قرارات المصادرة وتوسيع المستوطنات القائمة واستحداث بؤر جديدة.
وفي قصرة، يقول القريوتي إن استمرار وجود المستوطنين بين المنازل الفلسطينية أدى إلى محاصرة أكثر من 15 منزلًا وفرض قيود على حركة عائلات، في ظل إقامة مواقع وثكنات عسكرية في محيطها.
ولا تكمن خطورة هذه الإجراءات في أضرارها المباشرة فقط، بل في تأثيرها على الحياة اليومية للسكان؛ فالأرض التي كان الوصول إليها طبيعيًا تصبح مصدر خطر، والطريق الذي يربط المنازل بالأراضي يتحول إلى نقطة توتر، والمنزل الذي كان يمثل مكانًا آمنًا يصبح محاطًا بمواقع استيطانية أو عسكرية.
وفي انعكاس لحجم التصعيد، وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" أكثر من 1330 حادثة اعتداء للمستوطنين في الضفة الغربية منذ بداية العام وحتى نهاية يوليو، أسفرت عن ضحايا وأضرار واسعة في الممتلكات الفلسطينية.
فيما تشير بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى بلوغ عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة 592 مستوطنة وبؤرة، تتوزع بين 192 مستوطنة ونحو 400 بؤرة استيطانية، من بينها 231 بؤرة رعوية.
وتكشف هذه الأرقام عن مسار يتجاوز الاعتداءات المنفردة، إذ تتراكم المصادرات والبؤر الاستيطانية والقيود على الحركة والاعتداءات على الممتلكات لتعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وتضيّق المساحة المتاحة للحياة والاستقرار.
في قصرة والمغير وترمسعيا وأبو فلاح وغيرها من قرى الضفة، لا تدور المعركة فقط حول منزل أو قطعة أرض؛ بل حول حق الفلسطيني في البقاء في المكان الذي عاش فيه وأقام فيه أجيالًا.
فكل عائلة ترفض مغادرة منزلها، وكل مزارع يعود إلى أرضه، وكل شجرة يعاد غرسها بعد اقتلاعها، تمثل تحديًا لمحاولات فرض واقع جديد بالقوة.
ومع اتساع الاستيطان وتصاعد الاعتداءات، تبدو الضفة الغربية أمام مرحلة شديدة الخطورة؛ غير أن المشهد يحمل في المقابل رسالة واضحة: كلما اشتدت محاولات اقتلاع الفلسطيني من أرضه، ازداد تمسكه بها.
فقد تتسع المستوطنات، وقد يشتد الحصار، وقد تتكاثر محاولات اقتلاع الإنسان من أرضه، لكن الفلسطيني الذي بقي في أرضه رغم كل شيء يؤكد أن الاحتلال لا يستطيع صناعة الانتماء بالقوة، وأن الأرض لا تنسى أصحابها.
وفي النهاية، قد يُفرض واقع بالقوة لبعض الوقت، لكن لا يمكن للقوة أن تلغي حقيقة المكان وأهله؛ فالفلسطيني باقٍ، والأرض باقية، ومن يتمسك بأرضه رغم كل محاولات اقتلاعه هو من يكتب الفصل الأخير.

