بلاد الحرمين ليست ملكًا لآل سعود
السياسية || محمد محسن الجوهري*
حين نتحدث عن مكة والمدينة، فنحن لا نتحدث عن أرضٍ عادية يمكن أن تُختزل في اسم دولة أو تُعامل باعتبارها ملكية سياسية خالصة لهذا النظام أو ذاك. نحن نتحدث عن أقدس بقاع الأرض عند المسلمين، وعن المسجد الحرام الذي وصفه القرآن بأنه «لِلنَّاسِ»، وعن قبلة يتوجه إليها المسلمون في كل مكان، وعن شعيرة جعلها الله مرتبطة بالناس جميعًا لا بجنسية محددة ولا بعرق معين ولا بسلطة سياسية بعينها.
والقرآن يضع قاعدة شديدة الوضوح في هذه المسألة حين يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: 25]. فالعبارة القرآنية ليست «جعلناه لقريش»، ولا «جعلناه لأهل مكة»، ولا «جعلناه لقبيلة»، وإنما «جعلناه للناس». وفي تفسير هذه الآية فإن المقصود أن المسجد الحرام جُعل للناس كافة، وأن المقيم فيه والقادم إليه سواء في أصل حرمة المكان وأداء النسك.
والأكثر دلالة أن الآية جاءت في سياق شديد اللهجة تجاه من يصد الناس عن المسجد الحرام. فالمشكلة التي يضعها القرآن ليست فقط في الاعتداء على بناء المسجد، وإنما في منع الناس من الوصول إليه وأداء عبادتهم فيه. ولذلك يصبح السؤال مشروعًا: متى تتحول الإدارة والتنظيم والحماية إلى احتكار، ومتى يتحول التنظيم المشروع إلى وسيلة تجعل الوصول إلى بيت الله مرتبطًا بجواز سياسي أو تصريح إداري أو قدرة مالية؟
إن الحج في التصور القرآني ليس امتيازًا تمنحه دولة لمن تشاء وتسحبه ممن تشاء، وإنما فريضة مرتبطة بالاستطاعة. يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]. لاحظوا مرة أخرى التعبير: «عَلَى النَّاسِ». فالخطاب عالمي، لا قبلي ولا قومي ولا جغرافي. والحج شعيرة تتجاوز الحدود التي رسمتها السياسة الحديثة.
ويقول سبحانه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: 27]. إنها صورة عالمية بطبيعتها: يأتون من كل فج عميق. لم يقل القرآن: يأتون من البلاد التي تسمح لها السلطة، ولم يقل: يأتون وفق جنسيات محددة، وإنما جعل البيت مقصدًا للناس من كل الآفاق.
بل إن القرآن يصف الكعبة بأنها ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125]، ويقول: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97]. وتكرار كلمة «الناس» يكشف طبيعة العلاقة بين البيت الحرام والبشرية المؤمنة به: البيت لله، والعبادة لله، والناس يقصدونه، ومن ثم لا يجوز تحويل قدسيته إلى ملكية أيديولوجية أو عرقية.
والأمر لا يتوقف عند النص القرآني، فالتاريخ الإسلامي نفسه يكشف أن مكة لم تكن يومًا «ملكية دينية» لقبيلة أو دولة بالمعنى الذي يحاول البعض تكريسه اليوم. كانت قريش صاحبة نفوذ سياسي واجتماعي على مكة قبل الإسلام، ومع ذلك جاء القرآن نفسه ليحطم فكرة احتكارهم للبيت، بل جعل صد المؤمنين عن المسجد الحرام جريمة عظيمة. وفي قصة الحديبية، كان منع النبي صلى الله عليه وآله من الوصول إلى البيت سببًا في مواجهة سياسية وعسكرية كبرى، لأن الوصول إلى البيت وأداء النسك لم يكن حقًا خاصًا بالحاكم أو القبيلة.
ومن هنا فإن المشكلة ليست في أن تكون هناك دولة تدير الحرمين. إدارة الحشود، وتنظيم الطرق، وحماية الناس، وتوفير الخدمات الصحية والأمنية، وتنظيم مواسم الحج، كلها أمور ضرورية في عصر الملايين. المشكلة تبدأ عندما تتحول الإدارة إلى احتكار، والتنظيم إلى إقصاء، والسيادة السياسية إلى خطاب يوحي بأن الحرمين ملك حصري لنظام سياسي معاصر.
والواقع المعاصر يوضح حجم السلطة التنظيمية التي تمارسها الدولة السعودية على الحج. فحتى عام 2026، تشترط الإجراءات الرسمية تصاريح للحج، وتربط إصدار التصريح بإجراءات إلكترونية وباختيار الباقات ودفع الرسوم، كما أن السلطات تنظم إصدار تأشيرات الحج وتصاريحه عبر منظومات رسمية مثل «نسك». وهذا من حيث المبدأ يمكن تبريره باعتبارات القدرة الاستيعابية والسلامة ومنع الفوضى، لكن السؤال الأخلاقي والديني يبقى قائمًا: هل التنظيم خادم للحج، أم أصبح الحج خادمًا لمنظومة سياسية واقتصادية؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول اسم «خادم الحرمين الشريفين» من مفهوم الخدمة إلى مفهوم الوصاية. فالخادم الحقيقي للبيت هو الذي ييسر وصول الناس إليه، ويحفظ كرامتهم، ويمنع الظلم عنهم، ويعاملهم باعتبارهم ضيوف الرحمن، لا باعتبارهم أرقامًا في نظام إداري أو مصادر دخل موسمية.
والقرآن نفسه يربط عمارة المساجد بحرمة الصد عنها، فيقول: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ...﴾ [التوبة: 17]، ويقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18]. والمعنى الجوهري هنا أن المساجد لله، وليست أدوات ملكية شخصية أو سياسية بيد آل سعود.
ولهذا ينبغي أن يكون المبدأ واضحًا: مكة ليست «سعودية»، والكعبة ليست ملكًا لآل سعود، والمسجد الحرام ليس منشأة سياسية تابعة لعائلة، والحج ليس امتيازًا تمنحه الحكومات منّةً على المسلمين.
إن الفرق بين إدارة المقدسات وامتلاك المقدسات فرق جوهري. الدولة يمكن أن تدير، وتنظم، وتحمي، وتبني، وتخدم؛ لكنها لا تصبح بسبب ذلك صاحبة الحق في البيت. فالله يقول: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]. والبيت الحرام لله، والقبلة للمسلمين، والحج فريضة على المستطيعين من الناس.
فمكة أكبر من دولة، والكعبة أكبر من نظام، والحرم أكبر من سلطة سياسية. ومن أراد أن يعرف لمن البيت، فليسأل القرآن، لا خرائط السياسة: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: 26]. البيت بيت الله، والناس ضيوفه، ومن يتولى خدمته إنما يحمل أمانة الخدمة، لا صك الملكية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

