انسلاخ الأمة العربية والإسلامية عن ثوابتها وعاداتها وتقاليدها بحجة الحداثة
السياسية || علي مجمل حمزة*
أصبح التاريخ في المتاحف بما وجد من المدن والحضارات القديمة؛ يُطلع عليه بالزيارات والكتابات بأن هناك حضارة وشعباً كان يعيش على هذه الأرض الفلانية... ويتم سرد ما وجَدَّ من قراءات تاريخية وحياة لهذه المجموعة البشرية.
والسؤال ماذا بقي من كل هذه الحضارات والشعوب لازال يعمل به؟ ففي كل شعب طريقة حياة؛ كيف تكلموا؟ كيف لبسوا؟ كيف تزوجوا؟ كيف زرعوا وعملوا وصنعوا؟ كيف حلوا مشاكلهم وعمروا الأرض بحكمة وثبات؟ وبنوا القصور ومدنها والسدود وما لا يحصى من إنجازات.
ماذا حدث لكل هذه الشعوب ولماذا انقطع تأثيرها على هذه الأجيال؟
بدأ هذا كله بالحروب الحديثة (الحرب العالمية الأولى والثانية) واستعمار واحتلال الأوطان، ونشر ثقافة الغازي ولغته وعادات وتقاليد مصطنعة ومدروسة حلت مكان ما توارثته الشعوب من أجدادها.
في البداية يحتلون الشعوب بتدميرها، ثم يجندون ضعفاء الولاء لأوطانهم ليتبنوا ثقافة الغزو وما جاءت به من أفكار، وطمس اللغات الأصلية وإدخال لغة المحتل، ثم يشرعون لهم ما يسلخهم من جذورهم بصبر وثبات حتى يصلوا إلى تحقيق غاياتهم، والشواهد كثيرة في شعوب احتلت وغيرت لغتها وطرق حياتها. وأقنع المُحتل هذه الشعوب أن تاريخهم يجب أن يكون في المتاحف، وعليكم مواكبة التاريخ الجديد الآتي مع المستعمر.
لقد صب الغازي شره وركز على أمور حساسة عند المجتمع العربي والإسلامي؛ وهو تحرير المرأة ومساواتها بالرجل ضربةً في قلب المجتمع بالتركيز على مدرسة الأجيال. هذه موجة عاصفة أثرت بقوة على المجتمعات، وقد تغيرت أساليب الغزو الإعلامي والفكري، وتغيرت الأسرة بتغير أركانها ونبذ تاريخها، وأصبحت الأسرة المثالية الموحدة الآتية من الغرب هي النموذج.
(وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى: تحصين الأسرة والمجتمع عبر إعادة الاعتبار لدور الأسرة كمدرسة أولى ومحصنة ضد أمواج التفكك والانحلال، وتعزيز قيم التكافل والصدق، ورفض التمييع الأخلاقي المستورد تحت عناوين براقة).
ليست أمنع مزج الثقافات وتغيير بناء الأسرة والاستفادة من تجارب مجتمعية أخرى، لكن أنا ضد النسخ واللصق دون فلترة؛ نستفيد بما ينسجم وهويتنا، نأخذ المناسب وأيضاً يجب أن نعتز بهويتنا ونرسل ثقافاتنا لكي يؤخذ منها كما نأخذ، ونعزز المجتمعات المعرفية المعاصرة بنهج تربوي وأخلاقي وتعليمي مدروس ومثالي نغزو بها كما نُغزى بثقافات دخيلة علينا.
(ولتحقيق ذلك عملياً، يجب التركيز على: الاستفادة الذكية والفلترة الواعية بالتأكيد على أن الانفتاح على العالم وعلوم العصر مطلوب، شريطة وجود "فلتر" ثقافي بهوية ناضجة يأخذ ما يناسب قيم المجتمع ويرفض ما يتعارض معها، والانتقال من مرحلة المتلقي المستهلك إلى مرحلة المرسل والمؤثر).
على المجتمعات العربية والإسلامية أن تعزز ثقة أجيالها بأنفسهم وهويتهم واحترامهم لعاداتهم وتقاليدهم، وتقوي إدراكهم المعرفي والتعليمي والأخلاقي لتكون خير أمة.
لو تطرقنا إلى النهج النبوي الشريف الذي جاء لإصلاح الأمة وإتمام مكارم الأخلاق دون تمييز بين فئات البشر ومستوياتهم المجتمعية، لأدركنا أن هذا نهج الحياة المثالية المبنية على تقوية الأمة وزرع التوجيهات التربوية وإعمار الأرض بما يناسبها من عقول قادرة على الزراعة والصناعة والبناء والتكنولوجيا.
(هذا يتطلب منا مباشرة: العودة للنهج الأخلاقي والنبوي كمنهج حياة عملي يتحكم في الاقتصاد والعمل والإنتاج وإعمار الأرض، وإتقان الصناعة والتقنية، ومحاربة التمييز وترسيخ العدالة الاجتماعية).
وإذا أسقطنا كل هذا كواقع وليس كتاريخ تعيش به وعليه الأمم، لأصبحنا النموذج الأمثل للحياة. لكن بأخذنا لنموذج المحتل والغازي والتحرري والتطور بعناوينهم البراقة والزائفة، لتأكدنا أنهم لم يكونوا مثاليين في زرعهم لهذه الثقافات، والنتيجة هي: أمم مفككة!
وكل مجتمع محاط بحدود يحميها من جاره، وحروب متفرقة في كثير من الدول مع نزاعات داخلية على ثروات ومناصب، ودول لا يعنيها حال الأمة، فهي مشغولة بالتسلية والترفيه ومواكبة كل خلاعة وتفسخ ورذيلة باسم الراحة والاستمتاع. ضياع وتردي أخلاقي وتفكك أُسري ومجتمعي أصبح فيه الخمر مشروباً حلالاً، والمخدرات بأنواعها سلطنة ومزاجاً، ومجون المرأة وتعريها أصبح تحررً، وعلاقات خارج نطاق الزوجية وأولاد غير شرعيين في لحظة نزوة وشهوة بدون رقيب، ضاعت الأنساب واختلطت الأرحام، وأصبح كل شخص في عالم من الضياع والتدليس، وأصبحت العادات والتقاليد والضوابط تخلفاً ورجعيةً، والأخلاق والكرم غباءً وضعفاً، وتفككت الأوطان .ضاع فيها كل حليم، والصدق أصبح كالكذب دون تفريق.
مجتمعات مغلوبة إما بحرب وحصار أو تجويع وقتل باسم جماعات الدين، وإرجاع الأمة إلى إسلام ليس بإسلام حق، بل فيه انغلاق وتزمت وظلام ليس من نهج الإسلام المحمدي، وأمم أنانية لا تنصر مظلوم ولا مغلوب، ولا تطعم محاصراً أو ترسل حتى دواءً لمريض.
وما جاءت به شعوب العالم المستعمر من دمج كذاب وتظليل مفضوح باسم الدين الجامع (الدين الإبراهيمي) جاؤوا به في أنسب وقت لجمع الأمة على شيء مخالف للفطرة؛ فلم يعد يعرف أي مواطن ما هو الإسلام الحق، فقط أن كل الأديان تجمعنا تحت الدين الإبراهيمي، بعد أن دُرّس وعُلم المجتمع أن هذا الحل لجمع الأمة. كذب وبهتان ما جاؤوا به، لكن الساحة عمياء بعقول محشوة بثقافات مغلوطة .
لكن هيهات، فعدل الله قائم وموجود، راية العدل والإحسان لم تندثر أو تموت ولو ظهر الضعيف أو المغلوب أو المطموس، ولكن الأمة إلى خير طالما وهناك من يرفع راية الإصلاح والتغيير وإعادة كل مثالي وأصيل.
وختاماً، يجب البدء فوراً بإصلاح المنظومة التعليمية والتربوية لصناعة الجيل الواعي عبر بناء مناهج تربط الأجيال المولودة بتراثها وهويتها، وتعزيز التفكير النقدي بدلاً من التلقين، ودمج العلوم المعاصرة والتكنولوجيا مع القيم الأخلاقية الأصيلة).
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

