تغيير بن سلمان أسهل من الحرب وتداعياتها
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تتداعى الأنظمة الصهيونية للدفاع عن النظام السعودي خوفاً على مصالحها النفطية، وباعتباره خط الدفاع الأول عن الكيان المؤقت. لكنها تجهل في الوقت ذاته أن الحليف الغبي أكثر ضرراً على مصالحها من العدو الذكي، وأن تداعيات غباء بن سلمان كارثية على المعسكر الصهيوني كافة؛ ولذلك بات من الأسهل لهم تغيير بن سلمان شخصياً وجلب عميل آخر أقل ضرراً من الناحية المادية.
ومن علامات الفشل السعودي في ظل قيادة بن سلمان أزماته المتكررة مع غيره من حلفاء واشنطن؛ وهي الأزمات التي كسرت شوكته في الداخل السعودي وأنذرت بزوال الدولة السعودية ككل، مثل أزمة قطر وأزمة الإمارات، وغير ذلك من الحماقات التي ارتكبها لإرضاء أناه الداخلية وهو لا يعلم أنه يضر بالمصالح الصهيونية العليا. وحتى مشاريعه الاقتصادية العملاقة باتت لا تتناسب مع حجم الميزانية المنهكة بسبب الحرب والحلب الأمريكي، وفي ذلك سببٌ وجيهٌ آخر للإطاحة به وإعفاء الغرب من الوفاء بوعوده الضخمة.
وحتى على مستوى الأسرة المالكة، فقد تجاوز بن سلمان كل الخطوط الحمراء وجعل من آل سعود مسخرةً في الشارع نتيجة الاعتقالات المتتالية بحقهم؛ حيث بات الجميع عرضةً للتنكيل في أي لحظة بناءً على حسابات ولي العهد ومزاجه، لدرجة أن أميراً قد يُعتقل لمجرد أن يُذكر اسمه في الصحافة العالمية، كما حدث للأمير غزالان الذي جرى توقيفه مع والده بعد تكريمه من جامعة السوربون الفرنسية دون أي أسباب فعلية.
إضافةً إلى ذلك، فقد خسر أغلب أفراد الأسرة المالكة امتيازاتهم المالية جراء المجازفات السلمانية الحمقاء. وحتى شركة أرامكو — درة التاج السعودي — لم تعد تدرّ ذلك الدخل الكبير على الأسرة بعد أن تمت خصخصتها وخسارة الكثير من أصولها بسبب الحرب والقصف اليمني المباشر، واختزال بن سلمان أغلب إيراداتها وملكيتها له ولإخوته، أو ما بات يُعرف بالبيت السلماني في أدبيات السياسة السعودية.
ولم تتوقف تداعيات هذا النهج عند حدود الداخل العائلي أو الملفات الاقتصادية، بل انعكست جلياً على عزلة المملكة الإقليمية والدولية؛ إذ أدت هذه السياسات المتهورة إلى إضعاف الموقف التفاوضي للرياض وتحويلها من لاعب إقليمي صانع للقرار إلى طرف مكبل بالأزمات المتراكمة. ومع اتساع نطاق الرفض الشعبي والسياسي، واحتدام الغليان المكتوم داخل أروقة الحكم، بات واضحاً أن هذا المسار لا يهدد استقرار العرش فحسب، بل يضع الغرب والدائرين في فلكه أمام خيار أحكمهما مرّ: إما المراهنة الاستنزافية على حليف يغرق في أخطائه، أو التعجيل ببديل يحفظ للمنظومة الغربية مقومات مصالحها وحضورها في المنطقة.
وعلى صعيد الداخل الشعبي، أدى هذا التجريف المستمر للهوية والمؤسسات التقليدية إلى حالة من السخط المكتوم والتذمر الشامل لدى مختلف أطياف المجتمع السعودي، بعدما مُسّت مقدرات المواطن اليومية بالضرائب والارتفاع المتزايد في تكاليف المعيشة لصالح مشاريع وهمية لم يلمس الشارع منها أي أثر ملموس. يرافق ذلك خطاب إعلامي متخبط فشل في تسويق هذه السياسات أو التغطية على نتائجها العكسية، مما جعل النظام معزولاً عن قواعده الاجتماعية التاريخية، ومجرداً من أي سند شعبي حقيقي يمكنه الاعتماد عليه عند اشتداد الأزمات.
وفي الختام، يبدو أن مرحلة التخبط السياسي والاقتصادي التي تعيشها المملكة قد وصلت إلى نقطة لا رجعة فيها، حيث تضافرت خيبات الداخل مع فشل الرهانات الخارجية لتضع مستقبل عرش آل سعود على المحك. فلم يعد الأمر مقصوراً على تدهور الاقتصاد المنهك أو استنزاف مقدرات الدولة في مغامرات عبثية فحسب، بل تجاوز ذلك إلى تفكيك الحاضنة الداخلية والقبلية والعائلية التي طالما استندت إليها شرعية الحكم. وحين يتحول رأس النظام إلى عبء ثقيل حتى على حلفائه ورعاته، تصبح ساعة التغيير والبحث عن بديل أقل كلفة أمراً محتوماً تفرضه حسابات المصالح وصراع البقاء في تل أبيب وواشنطن.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

