السياسية || علي مجمل حمزة*

يسرد التاريخ القديم والحديث دخول قوات غازية إلى اليمن، وما كان يحصل لها من مقاومة شعبية وبسالة وانتهى بجلائها وإخراجها، ونستشهد من هذا بالمحطات التالية:
(الرومان 24 ق.م): قادت الإمبراطورية حملة بقيادة "إيليوس غالوس" للسيطرة على طرق التجارة، فوصلت إلى مأرب واصطدمت بمقاومة عنيفة وحصار أجبرها على الانسحاب بخسائر فادحة.

(الحبشة - القرن السادس الميلادي): احتل الأحباش اليمن، حتى قاد البطل اليمني "سيف بن ذي يزن" ثورة مسلحة نجحت في طردهم وتحرير البلاد.
(العثمانيون - القرنان 16 و19): واجه العثمانيون حروب استنزاف وثورات ضارية قادتها القبائل والأئمة (مثل ثورة المطهر بن شرف الدين)، وظلت الجبال خارج سيطرتهم حتى انسحابهم نهائياً عام 1918.
(البريطانيون 1839 - 1967): احتلت بريطانيا عدن، وواجهت كفاحاً مسلحاً وثورات متواصلة توجت بـثورة 14 أكتوبر 1964، والتي انتهت بالجلاء والاستقلال في 30 نوفمبر 1967.

وكما تصدى اليمنيون للغزوات عبر التاريخ، تجدد المشهد في العصر الحديث؛ فمع تطور الأحداث وتغير معادلات الحرب، خاضت حركة "أنصار الله"— والتي تضم في صفوفها مقاتلين وأبناءً من مختلف القبائل والمناطق اليمنية—مواجهة مسلحة ضد التدخل العسكري الخارجي عبر ما تسمى عاصفة الحزم الحرب التي اطلقتها السعودية وعدد من الدول الموالية للصهيونية وأمريكا في تحالف عسكري في مارس 2015 بإعلان رسمي من واشنطن عبر السفير السعودي آنذاك عادل الجبير، ورغم التفوق العسكري الهائل والحصار الشامل، تحولت الحرب إلى استنزاف طويل وفشلت أهدافها في الحسم أمام الصمود الميداني، ليبقى اليمن صخرة تتحطم عليها أطماع الغزاة.

وأمام انكسار الخيارات النظامية والعجز عن تحقيق الحسم الميداني، لجأ تحالف العدوان السعودي الأمريكي إلى الاعتماد على "بدائل المرتزقة" والتشكيلات غير النظامية لتعويض النقص البري والتنصل من التبعات الأخلاقية والقانونية، حيث جلب التحالف عبر شركات أمنية أجنبية عناصر أجنبية (مثل الكولومبيين وغيرهم) لتعويض العجز البري، وكان مصيرهم الفشل الذريع وتكبد خسائر كبيرة أمام ضراوة مقاتلي "أنصار الله".

وتم الاستعانة بمقاتلين سودانيين عبر صفقات مالية ودعم حكومي، ونشرهم على الحدود والساحل الغربي وزج بهم كدروع بشرية في حرب استنزاف ثقيلة امتلأت جثثهم في الصحاري اليمنية، كما تم تجنيد مجموعات مسلحة ومقاتلين سوريين ونقلهم للقتال في الجبهات اليمنية مقابل إغراءات مالية.

كما تم إنشاء وتشكيل فصائل وتشكيلات مسلحة محلية وتمويلها لتكون أدوات وكيلة عنه، وانتهى بها المطاف بالفشل والعجز عن تغيير المعادلة العسكرية؛ لأن المقاتل اليمني الحر يرفض أن يقاتل ضد أرضه وشعبه مقابل حفنة من المال من قوى العدوان.

هنا علينا أن نركز على خبايا لا يتحدث عنها الإعلام؛ إذ تخطط الاجتماعات السرية لإدخال مجندين للقيام بتصفيات وأعمال خارج القانون الدولي بعيداً عن المحاسبة، ناهيك عن التخلص من العناصر المتطرفة كالدواعش القادمين من سوريا بإلقائهم في محارق الموت اليمنية.

وما يجعل اليمن صخرة تتحطم عليها أطماع الطامعين هو موقعه الجغرافي الاستراتيجي الذي جعله دائماً مستهدفاً بالعدوان. غير أن سر انتصار اليمنيين وصمودهم ينبع من كونهم لا يعتدون على أحد، بل يدافعون بشراسة عن أراضيهم، مستندين إلى عزيمة المقاتل الصلب ومبدأ نصرة المظلومين؛ وهو ما يتجسد اليوم في موقفهم البطولي الداعم للقضية الفلسطينية ونصرة أهالي غزة ضد المجازر الوحشية، ودخولهم في مواجهة مباشرة بضرب إسرائيل دفاعاً عن الحق ورفضاً للظلم.

وبهذه الأخلاق الكريمة والعزم الراسخ على تغيير معادلة القوى المعتدية، وأمام ما يشهده الواقع اليوم من اعتداء عسكري وطائرات تستهدف الأراضي اليمنية وتدمر البنية التحتية وسفك دماء الأبرياء، يتعزز لدى المقاتل اليمني الشعور بمسؤولية رفع الظلم عن بلده المحاصر برّاً وبحراً وجوّاً. فيثبت في كافة الجبهات متوكلاً على الله ناصر المظلومين، ولن يتوقف حتى يحقق انتصاره، ويغير معادلة الحرب في المنطقة، ويسترد حقوقه المشروعة على أرضه، ثأراً من قوى العدوان وحلفائها الدوليين؛ وهو ما ليس مجرد أمنيات، بل حقيقة واقعة ستثبتها الأيام.

* المقال يعبر عن رأي الكاتب