"نتنياهو يظهر البيجر ويتبجح بما قام به في لبنان"
السياسية || علي مجمل حمزة*
خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أقدم رئيس حكومة الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على خطوة استفزازية حيث أخرج جهاز اتصال لاسلكي نوع "بيجر" ولوّح به أمام الحضور، ليظهر قدراته على اختراق الوطن اللبناني المنقسم سياسياً والمغلوب على أمره مجتمعيا، حين قامت استخباراته بطرق ملتوية والاستعانة بالمرتزقة داخل البلاد بإدخال صفقة للبياجر والهواتف النقالة، لعلمه أن أغلب المنتسبين لحزب الله يستخدمونها.
لقد كانت هذه العملية خارجة عن أخلاقيات الحرب (فالصهاينة أحقر من يحاربو)، وكان لها تأثير كبير حين انفجرت مسببة إصابات واستشهاد مالكيها وهزت أوساط البلاد، تلتها اغتيالات بالطائرات الحربية التي استطاعت رصد محور المقاومة وأماكن تواجده بتدخل لوجستي أمريكي باستخدام كل وسائل التجسس والرصد.
تم لهم ما أرادوا من اغتيالات وكانت ضربة قاصمة لحزب الله ولكل محور المقاومة (وأكثر شي موجع كانت استشهاد سماحة السيد حسن نصر الله وكثير من قيادة حزب الله في تلك الفترة). وهذا التباهي بالبيجر واغتيال القادة، يعكس في طياته عجزاً استراتيجياً؛ فجيش الاحتلال الإسرائيلي الذي تحول إلى مجرد سلاح اغتيالات تكنولوجية عن بُعد عجز عن تحقيق أي نصر حاسم على الأرض في غزة أو لبنان، فلجأ إلى الإرهاب التقني لتعويض هزيمته العسكرية الميدانية.
على عكس ما أرادوا، تماسك الحزب وكانت دماء الشهداء شعلة ورافداً لهم لكي ينظموا صفوفهم ويعيدوا ترتيب طرق ردهم على المعتدي الصهيوني. ولأن هذا التماسك كان غير ما توقع مجرم الحرب نتنياهو، أراد أن يستثمر هذا الانتصار الضعيف في جعله رداً على معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر التي أسقطت نظرية القلعة المنيعة وأثبتت هشاشة الأمن القومي الصهيوني وأرعبت تل أبيب بعد أن ضربت كل التوقعات. وللحفاظ على ماء الوجه، قاموا بعمليات خارج الحرب الميدانية واخترقوا محور المقاومة في كل أماكنه لكسره ولجوءهم لتلك الأساليب لم يكن علامة قوة بل دليل ذعر.
جاء ذلك بشكل عكسي على المدى اللاحق، حيث قام محور المقاومة بضرب الكيان الصهيوني في أرضه ودمر بنيته العسكرية المخفية في أماكن تحت المدن السكنية بشكل دقيق ومنظم وهذا ما قامت به اليمن وإيران والعراق ولبنان على فترات متلاحقة إسناداً للمقاومة في غزة ورداً على استهداف إيران.
وفي ظل هذا المشهد، لعب الإعلام الغربي دور الشريك الأساسي في التغطية على جرائم الإبادة وتزييف الحقائق وقلب الضحية إلى جلاد، إلا أن صحوة الأحرار حول العالم عبر وسائل التواصل والشوارع نسفت هذا التضليل وأسقطت الرواية الصهيونية، ليقف الجميع أمام حقيقة من هو المعتدي ومن هو المدافع عن أرضه.
وكالعادة يأتي مجرم الحرب ليتبجح بإنجازاته في قتل المقاومين والمدنيين، وهنا يتجلى التناقض الصارخ؛ كيف لرئيس حكومة الاحتلال المطارد بجرائم حرب أن يقف على منبر الأمم المتحدة المخصص لحفظ السلام ليُلَوّح علناً بأداة قتل جماعي، في تحدٍ سافر واستهتار تام بالشرعية الدولية!
ولم يتوقع ما حصل عند صعوده للمنبر حين خرجت من الاجتماع وفود الدول الرافضة لما يقوم به، ولم يبقَ سوى المطبعين الذين انكشف مدى خبثهم وتورطهم مع هذا النظام المعتدي، وهنا يتضح مدى نضج المجتمعات التي أدركت أنها لم تكن تعلم بمدى قذارة هذا المجتمع الصهيوني المتباكي على ما حصل له في محرقة الهولوكوست وكيف كان يتباكى على قمع وجوده في العالم، أنه نظام كاذب يدعي شيئاً ويقوم بعكسه حين رأى العالم المجازر المخيفة والتي تفوق الوصف في تدمير وإبادة مجتمع كامل في غزة. وهذا الإدراك جعل كل الصهاينة منبوذين في كل المجتمعات، ونبذ الحكومات المساندة والساكتة على هذه التصفية العرقية، وأثبتوا مدى عنصريتهم وحقدهم على المدنيين في غزة.
ولن يترك محور المقاومة حقه الوجودي في الدفاع عن نفسه وأراضيه وانتزاع حريته وثرواته وقراره، ودحر الصهاينة وإخراجهم من الأراضي الفلسطينية، ودحر حلفائها المطبعين والمساندين لهذا الكيان. والواقع يثبت كل هذا الكلام بمساندة المجتمعات العربية والإسلامية والعالمية التي عرفت من يدافع عن حريته ومن يقمع الشعوب ويدمرها، وفلسطين خير شاهد على هذا الواقع.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

