السياسية:



نص كلمة قائد الثورة السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي بالذكرى السنوية لشهيد القرآن 26 رجب 1447هـ 15 يناير 2026م:
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْم

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

وَالسَّلَامُ وَالرَّحْمَةُ وَالرِّضْوَان عَلَى شَهِيد القُرْآن: السَّيِّد حُسَين بِنْ بَدْرَ الدِّين الحُوثِي، فِي ذِكْرَى شَهَادَتِه وَفِي كُلِّ وَقتٍ وَحِين.

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُم- أَيُّهَا الْإِخْوَةُ وَالْأَخَوَات- وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في القرآن الكريم:

{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}[غافر:51-52].

صَدَقَ اللهُ العَلِيُّ العَظِيم.

في هذه الذكرى: ذكرى شهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"،المقام مع ذكرى الشهادة، هو مقام النصر الذي حقَّقه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، وجعل لهذه الشهادة أثرها العظيم فيما حقَّقه الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" من نصرٍ عظيم لهذا المشروع القرآني المبارك.

في ذكرى شهيد القرآن، أقام شعبنا العزيز هذه الذكرى، وأحياها على نحوٍ واسعٍ وكبير، والإحياء لها كان على المستوى الرسمي، وعلى المستوى الشعبي، إحياء في إطار المشروع القائم، المشروع المنتصر، المشروع المتجذِّر، والمشروع المبارك والمقدَّس، المشروع القرآني العظيم، إحياء في إطار ما منَّ الله به من نقلات لهذا المشروع المبارك، كثمرةٍ من ثمرات العطاء العظيم لشهيد القرآن، في جهوده وتضحياته هو ورفاقه الشهداء "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِم"، هذا الإحياء العظيم، في إطار هذا الحضور المبارك والكبير لهذا المشروع، ولشعبنا يمن الإيمان والحكمة على المستوى العالمي، في مرحلةٍ من أهمِّ المراحل على المستوى العالمي بشكلٍ عام، وعلى مستوى الأُمَّة الإسلامية على نحو أخص.

نحن نعيش ذكرى شهيد القرآن السيد حسين بدر الدين الحوثي "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ" كل يوم،نهجاً قرآنياً يصنع الوعي، وينير الدرب، ويلهم بالمعارف القرآنية، ويضيء للبصائر، نحن نعيش المشروع القرآني، مسيرةً عظيمةً بزخمها الجماهيري، بأُمَّتها الثابتة، والمجاهدة، والحاملة للراية، وفي هذا درسٌ كبير، وشاهدٌ دامغٌ واضح على فشل الأعداء، الذين أرادوا من استهدافهم لشهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ"، الاستهداف لمشروعه القرآني، والوأد له في مراحله الأولى، حينما كان التَّحَرُّك من نقطة الصفر، في ظروفٍ بالغة الصعوبة، وفي أجواء معروفة من الاستضعاف والمعاناة، فكانوا على يقينٍ مما هم عليه، وما يرومونه من أهداف، في أنها ستتحقَّق لهم بلا شك، بمعايير الأوضاع، والظروف، والإمكانات المادية، والقدرات التي يمتلكونها، والاتكاء على السند الدولي الأمريكي والغربي، ونتيجةً أيضاً للوضعية المعروفة آنذاك، في ظروف المشروع القرآني في بداية انطلاقته، فالأعداء فشلوا في تحقيق هدفهم من قتل شهيد القرآن بوأد مشروعه القرآني المبارك؛ بينما فاز هو بأن تكون شهادته في سبيل الله مرتبطةً بأقدس وأسمى مشروع، فكان بحقٍّ شهيد القرآن، بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

في هـــذه الذكــرى:

- نستلهم ما يرسِّخ القضية المقدَّسة والمباركة لشهيد القرآن.

- وأيضاً قدسية التضحية العظيمة له ولرفاقه الشهداء، ولكل قوافل الشهداء في هذه المسيرة القرآنية المباركة.

- وأيضاً نستذكر المظلومية الكبيرة لشهيد القرآن، لرفاقه، لكل الشهداء، لهذه الأُمَّة المجاهدة، التي اتَّجهت على أساس القرآن الكريم، والحق الواضح، والموقف الصحيح العظيم.

- ونستلهم أيضاً الكثير من الدروس التي تزيدنا ثباتاً، ووعياً، وبصيرةً على هذا النهج المبارك.

الحال بالنسبة للذين يقفون ضد هذا المشروع القرآني، هو حال غيرهم من الطغاة، والمجرمين، والصادِّين عن سبيل الله "تَبَارَكَ وَتَعَالَى"، وما ينقمونه على أبناء هذه المسيرة القرآنية في نهجها القرآني، ومشروعها القرآني، واتِّجاهها في المواقف الحق، هو كما قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في قصة أصحاب الأخدود:{وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}[البروج:8]، وهذا هو الحال تماماً في الذين تحرَّكوا تحت المظلة الأمريكية والإسرائيلية والغربية، من أنظمةٍ عميلة، وقوى موالية لأعداء الإسلام، في عدائها الشديد لهذا المشروع القرآني، وما مارسوه من إجرام، وطغيان، وظلم، وحروب كثيرة، وممارسات ظالمة ضد المنتمين إلى هذا المشروع القرآني، تنوَّعت في كلِّ أشكال الاستهداف:

- من سجون.

- منقتل وتدمير.

- من حربٍ تلو أخرى، حروب كثيرة.

- من هجمات إعلامية مضللة بالدعايات الكاذبة.

كل أشكال الاستهداف، لكنهم مع كل ما فعلوه، وهم فعلوا الشيء الكثير، وبإمكانيات هائلة، وتعاون من المنافقين المحليين، إلى المساندة الإقليمية والدولية، التي ساندتهم في مواجهة هذا المشروع القرآني من يومه الأول، إلَّا أنهم فشلوا، ونما هذا المشروع، وتعاظم، وها هو حاضرٌ في هذه المرحلة بأقوى من أيِّ مرحلةٍ مضت، بعد كل الذي قد فعلوه، وهذا درسٌ عظيم في إطار قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى":{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[يوسف:21]، هذا من المصاديق الواضحة لتحقيق وعد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" لعباده المؤمنين، المستضعفين، الصابرين، بما يحقِّقه لهم من النصر، وما يؤيِّدهم به من تأييده.

الذكرى محطةٌ أيضاً للاستلهام والاستفادة من المعالم البارزة في شخصية شهيد القرآن، في مقام الاقتداء، فهو بمشروعه، وأيضاً في المعالم الشخصية، المعالم البارزة لشخصيته، تجسَّدت المبادئ، والقيم، والأخلاق القرآنية، والروحية القرآنية في شخصيته، كما هي محتوى مشروعه القرآني المبارك، فكانت المبادئ القرآنية، والروحية القرآنية، والقيم القرآنية، والأخلاق القرآنية، كانت متجسِّدةً في شخصيته سيرةً وقولاً وفعلاً، وارتقى في كماله الإيماني ارتقاءً عظيماً، فهو من النماذج الراقية جداً، النادرة والتاريخية؛ ولـذلك في مقام الاقتداء، وفي مقام الاستلهام من شخصيته، وما تحلَّى به، وما تجسَّد في واقعه، نستفيد الكثير والكثير:

· في مقدِّمة العناوين المهمة التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها؛ بطبيعة ما نواجهه في ميدان المسؤولية، ومن تحديات، ومن مخاطر، ومن ضغوط، في المعالم الشخصية البارزة له عنوان: الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى":

وهو عنوانٌ في مقدِّمة العناوين الإيمانية، والأسس الإيمانية.

كان من أبرز ما تحلَّى به شهيد القرآن، هو: ثقته العظيمة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"،وبرز هذا العنوان كثيراً في دروسه وفي محاضراته، حيث ركَّز على هذه المسألة بشكلٍ كبير، بل حتَّى في تشخيصه لواقع الأُمَّة، وما وصلت إليه الأُمَّة الإسلامية، كان في مقدِّمة العناوين التي تبيِّن السبب الرئيسي فيما وصلت إليه الأُمَّة في واقعها الداخلي، من: ضعفٍ، وشتاتٍ، ويأسٍ، وهزيمةٍ، وعجزٍ في مواجهة أعدائها، أنَّ في مقدِّمة مشاكلها، هو: أزمة ثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى":

- أثَّر تأزمة الثقة هذه عليها في علاقتها بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في علاقتها بهدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في موقفها من وعد الله ووعيده.

- وأثَّر تعليها على مستوى مواقفها، وتحرُّكها، تأثيراً سلبياً ملموساً وواضحاً.

بينما نجد فيما ركَّز عليه تجاه هذا العنوان في المحاضرات والدروس الحديث المهم، المعبِّر عن إيمانٍ صادق، عن توجهٍ حقيقي، عن استيعابٍ راسخ لهذا العنوان العظيم، والمفهوم المهم، ونجده كذلك في توجهه، في حركته من نقطة الصفر، في ظروفٍ كل ما فيها في واقعه، في إمكاناته، في الظروف التي يعيشها، ليس هناك أي اعتبارات أخرى مما يعتمد عليها الناس عادةً في أن يتَّخذوا موقفاً معيَّناً، لا سند عسكري، بشكل قوَّة عسكرية، أو بشكل جيش، أو بشكل دولة تقدِّم له الدعم، وتقف إلى جانبه، وتمنحه الحماية... أو بأي شكلٍ من الأشكال، تحرَّك في منتهى ظروف الاستضعاف، من نقطة الصفر كما كررنا، لكن كانت ثقته بالله كبيرة، كبيرةٌ جداً، وأمله في الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" عظيم، وتجلَّت هذه الثقة في انطلاقته، في قوَّة موقفه، في الظروف التي تحرَّك فيها والأعداء في ذروة هجمتهم على أُمَّتنا الإسلامية.

في بداية الألفية الثالثة، الحالة العامة للأنظمة العربية، للنخب، للشعوب، هي: حالة الهزيمة الشاملة، الهزيمة العامة، في معظم الواقع العربي والإسلامي، بعد الهجمة الأمريكية والإسرائيلية والغربية تحت عنوان: [مكافحة الإرهاب]، اتَّجهت الأنظمة مسارعةً للتودُّد إلى الأمريكي، بالإذعان له، والطاعة له، تحت عنوان التحالف معه، والحالة أكثر من مسألة تحالف، هي إذعان، هي خضوعٌ مطلق، هي استسلامٌ كامل، هي طاعةٌ مطلقة، وفي واقع الشعوب انعكست الحالة الرسمية على الواقع الشعبي لمعظم الشعوب، فكانت الحالة هي حالة الهزيمة العامة، حالة الاستسلام، حالة الرضوخ، حالة الواقع المفتوح للأعداء، ليتحرَّكوا فيه كما يشاؤون ويريدون، وتهيَّبت النخب، القوى، حتَّى قوى إسلامية بارزة في الساحة، من أن تتَّخذ موقفاً مغايراً للتوجهات الرسمية المذعنة والخاضعة للأعداء، لكن صوته كان صوتاً مختلفاً عن الآخرين؛ صوتاً يصدع بالحق، صوتاً ينطق بالقرآن الكريم، صوتاً يتحرَّك على أساس المسؤولية: المسؤولية الإسلامية، المسؤولية الدينية، فيما ينبغي أن تكون عليه الأُمَّة في موقفها من أعدائها، أعداء الله، في هجمتهم التي تشكِّل خطورةً بالغةً على هذه الأُمَّة في دينها ودنياها، هجمة في منتهى الخطورة، الخسارة فيها هي خسارة الدين والدنيا، خسارة الحُرِّيَّة والكرامة، المسألة تصل بهذه الأُمَّة إلى أن تتحوَّل إلى حالةٍ من العبودية المطلقة لأسوأ أعدائها، أسوأ أذرع الصهيونية: (الأمريكي، الإسرائيلي، البريطاني)، ومن حولهم التَّوجُّه الغربي الطامع بهذه الأُمَّة، الساعي لطمس هويتها الإسلامية، والسيطرة عليها، واستغلالها في: ثرواتها، وأوطانها، وقوَّتها البشرية... وغير ذلك.

في ظل تلك الظروف، التي تعمَّمت فيها حالة الاستسلام، والصمت، والسكوت، حالة اليأس، حالة انعدام المشاريع الصحيحة التي تتحرَّك فيها الأُمَّة، في مقابل مشروع يتحرَّك فيه الأعداء، كان لشهيد القرآن "رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ" موقفه الذي يستند إلى الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ويتحرَّك على أساس هديه.

ثقته بالله هي ثقةٌ واعية، كان فيها الثقة بهدى الله، الثقة بأنَّ في القرآن الكريم الهداية لما ينبغي أن تكون عليه الأُمَّة من مواقف، والهداية الشاملة لما يصلح واقع الأُمَّة، لما يغيِّر الواقع المزري والمؤسف للأُمَّة نحو الأفضل، نحو ما ينبغي أن تكون عليه، نحو الثمرة المرجوة لانتمائها الإسلامي، حينما تتحرَّك على أساسٍ صحيح وبوعي، وكذلك الإيمان والثقة بوعد الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" الصريح، الوعد والوعيد في القرآن الكريم، من مثل قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى":

- {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحج:40]، وعدٌ صريح، يكفي لأن تتحرَّك الأُمَّة على أساسه، فما الذي يجعل أكثر الأُمَّة لا يتحرَّك على أساس هذا الوعد الصريح؟ هو ضعف الثقة بالوعد الإلهي.

- {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ}[محمد:7]، وعدٌ صريح، ما الذي يجعل أكثر الأُمَّة لا يجرؤون على أن يتحرَّكوا في إطار هذا الوعد الصريح الواضح، وهم بحاجة إلى أن يتحرَّكوا، والأُمَّة بحاجة إلى أن تكون في وضعيةٍ تنتصر فيها على أعدائها المستهدفين لها، المستذلين لها، الساعين لاستعبادها وإذلالها، فالأُمَّة بحاجة إلى أن تكون في إطار ما يحقِّق لها النصر على أعدائها، وهو هذا:{إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ}، حينما تتحرَّك الأُمَّة على أساسٍ من مبادئها الحقة، من مشروعها القرآني العظيم، الذي رسمه الله لها، وفق نهج الله الحق، يحقِّق الله لها النصر على أعدائها، وهي تتحرَّك في أعظم المبادئ، وأقدس وأسمى المبادئ؛ ولكن الأُمَّة حينما لا تتحرَّك مع سماعها بوعد الله، ما الذي ينقصها؟ هو الثقة، ضعفٌ في الإيمان ينعكس على ثقتها بوعد الله الصريح الواضح.

- حينما قال الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى":{وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}[الروم:47]، يتصوَّر أكثر أبناء الأُمَّة أنَّ هذه وعود كانت لزمنٍ ماضٍ، لصدر الإسلامي مثلاً؛ أمَّا في هذه المرحلة، فكأن هذه الوعود قد انتهت صلاحيتها، كسائر المنتجات التي لها صلاحية محدودة ومؤقتة في وقتٍ محدود.

كذلك في النظرة إلى هدى الله؛ لأنه يهدي هدايةً شاملة في مواجهة كل التحديات، كل المخاطر، تجاه كل الظروف، في كل المراحل، تجاه كل الأوضاع،{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[الإسراء:9]، أقوم ما تستقيم به الحياة: أقوم المواقف، أقوم التَّوجُّهات، الأقوم في كل شيء، أقوم في كل المجالات؛ مع ذلك هناك إعراض في مقام الاهتداء، في مقام المواقف، في مقام التَّوجُّهات العملية، في معظم المجالات، إعراض عن القرآن، الحالة السائدة في معظم واقع الأُمَّة، في واقعها الأكثر، هي حالة الإعراض، عندما تكون المسألة مسألة اتِّباع، مسألة التزام، مسألة عمل، مسألة تحرُّك في كل المجالات على أساس هدى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

ولذلك كان من الواضح جداً هذا العنوان، حضور هذا العنوان، ترسُّخ هذا العنوان: الثقة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، في توجهه، في منهجه، في حركته، في موقفه، في ثباته، وفي مسيرته العملية، ولقي الله وهو يحمل هذه الثقة العظيمة بالله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى".

· من المعالم البارزة في شخصيته هي التقوى لله، والشعور العالي بالمسؤولية:

لأن الشعور العالي بالمسؤولية، هو أيضاً متفرِّعٌ عن التقوى. من أهمِّ ما في القرآن الكريم، وما يركِّز عليه القرآن الكريم، هو أن يحيي فينا الشعور بالمسؤولية، علينا مسؤوليات في هذه الحياة، انتمائنا للإسلام هو انتماءه إلى مبادئه، وقيمه، وأخلاقه، وشرعه، ونهجه، في نفس الوقت انتماء إلى مسؤولية نتحرَّك على أساسها، في حمل هذا الهدى، هذه المبادئ، هذه القيم في واقع الحياة؛ ولهـذا يأتي عنوان الجهاد في سبيل الله، عنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عناوين تعبِّر عن مسؤوليات كبرى، وهي مسؤوليات مقدَّسة، ومسؤوليات عظيمة، ومسؤوليات مشرِّفة لهذه الأُمَّة، تتحرَّك في إطار أسمى المبادئ، أعظم القيم، أرقى الأخلاق، مكارم الأخلاق، في إطار شرع الله ونهجه الحق العظيم، تتحرَّك وهي تحمل مسؤولية إقامة القسط، إقامة العدل، في مواجهة الظلم، في مواجهة الإجرام، في مواجهة الطغيان، تتحرَّك وهي تدعو إلى الخير، في إطار المواجهة للشر، والتصدي للشر والأشرار؛ لأن الشر يأتي إلى واقع الحياة عبر مَنْ؟ عبر الأشرار، هناك من البشر من يتحرَّكون في إطار الشر، أشرار بكل ما تعنيه الكلمة، بشرهم، بظلمهم، بإجرامهم، بطغيانهم، بفسادهم، يسعون في الأرض فساداً، سياساتهم، توجهاتهم، ممارساتهم، هي طغيان، هي إجرام، هي ظلم، هي إفساد، وهذا ما عليه قوى الطاغوت والاستكبار في عصرنا وزماننا، المتمثلة باللوبي الصهيوني اليهودي وأذرعه: أمريكا، وإسرائيل، وبريطانيا، ومن معهم، من يقف في صفهم.

فكما كان فيما قبلنا من أزمنة، هناك أشرار، هناك طغاة، هناك مجرمون، في كل الأزمنة، في كل العصور، على امتداد التاريخ، وكانت المسؤولية الراسخة والثابتة لأنبياء الله، وأولياء الله، والمؤمنين بالله وبنهجه، والسائرين في طريق الحق، هي أنهم يتحرَّكون في إطار شرع الله، نهج الله، هداية الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، دين الله، كانت هذه المسؤوليات الأساسية في العمل على إقامة القسط، التصدي للشر والطغيان، السعي للدعوة إلى الخير، كانت هذه مسؤوليات مقدَّسة وعظيمة على امتداد التاريخ، وبارزة في الرسالة الإلهية في كل مراحل التاريخ.

ولـذلك فنحن في هذا الزمن ليس حالنا بِدْعًا، ومسؤوليات حُمِّلناها لم يحملها غيرنا، فنأتي لنستغرب: [لماذا نحن نتحمَّل في هذا الزمن ما لم يتحمله غيرنا قبل زماننا؟!] الحالة في مقام هذه المبادئ العظيمة والمقدَّسة، والمسؤوليات العظيمة، هي حالة امتداد لنهجٍ طويل، ومسارٍ على امتداد التاريخ، على رأسه وفي طليعته أنبياء الله، ورسل الله، وأولياء الله، والصالحون من عباد الله، والأخيار والأبرار والهداة؛ وفي المقابل، في خط الطغيان، في خط الإجرام، في خط الظلم، في خط الفساد، امتدادٌ مرتبطٌ بالشيطان، للطغاة، للمجرمين، للظالمين، للمفسدين في الأرض، وحالة الصراع بين الحق والباطل، هي صراعٌ بين المنتمين للحق، والمنتمين للباطل.

ولذلك في إطار هذه المسؤوليات المهمة، والمباركة، والمقدَّسة، الإنسان بحاجة إلى أن يستشعر أهميتها، وخطورة التفريط بها، فأتى قول الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" في القرآن الكريم:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران:102]، في إطار هذا السياق: سياق مسؤوليتنا لنكون أُمَّةً ثابتةً على نهج الله الحق، على مبادئ الإسلام العظيمة، تحمل مسؤوليتها في التصدي لأعداء الله، لا تقبل بأن تخنع لهم، بأن تخضع لهم، بأن تمكِّنهم من السيطرة عليها، وعلى واقعها؛ لأنهم عندما يسيطرون على واقع الأمم، على واقع الشعوب، يستعبدونها من دون الله، ويحاربون كل تلك المبادئ والقيم التي فيها حُرِّيَّة وعزَّة وكرامة الشعوب والأمم.

الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" عندما قال في القرآن الكريم:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[آل عمران:104]، يقدِّم هذه المسؤولية العظيمة والمهمة التي لابدَّ منها، لابدَّ منها في أن يبقى لنا انتماؤنا الإسلامي صافياً، ونقياً، وراسخاً، وحاضراً في واقع حياتنا؛ وإلَّا فأولئك الأشرار، أولئك الذين يعملون من فريق الشر من أهل الكتاب، من اليهود وأنصارهم وأعوانهم من النصارى وغيرهم، هم بشرهم، بفسادهم، بطغيانهم، يفسدون المجتمع البشري، يضلونه؛ بهدف: السيطرة عليه، والاستعباد له، والاستحواذ عليه، واستغلاله، وهذا ما يحصل من جانبهم،

ولذلك فالأُمَّة أحوج ما تكون إلى تستشعر مسؤوليتها هذه، وتدرك مخاطر التفريط فيها، أنه يترتب عليها عقوبات من الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ويترتب عليها مخاطر وأضرار كبيرة جداً، سيطرة الطغاة، والمجرمين، والمضلين، والمفسدين على المجتمعات البشرية، على الناس، ليست مسألةً بسيطةً ولا هينة؛ لأنهم يسيطرون بشرهم، بفسادهم، بظلمهم، بطغيانهم، ويصادرون على الإنسان حُرِّيَّته، يصادرون عليه حتَّى استقامته الدينية، لا يتركون لك المجال في أن تكون منطلقاً في مسار حياتك على أساس تعليمات الله وهدى الله، يجعلون ما هو من أهوائهم، فيما يحقِّق لهم سيطرتهم، وطغيانهم، واستعبادهم، ونهبهم، يجعلونه فوق تعليمات الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، ويسعون لفرضه على الناس، ويقدِّمون أنفسهم للناس أنداداً من دون الله؛ لـذلك فالمسألة خطيرة جداً، يُشْقُون الناس بذلك، يستغلونهم، يظلمونهم، يفسدونهم، يبعدونهم حتَّى عن كرامتهم الإنسانية، ويترتب على ذلك أيضاً العقوبات الإلهية.

ولهذا كان من أهمِّ ما ركَّز عليه شهيد القرآن، وكان من أهمِّ ما تحلى به، هو تقوى الله "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى"، والاستشعار العالي للمسؤولية جداً؛ بالتالي تحرَّك بأعلى مستوى يستطيعه من التَّحَرُّك، وعمل على استنهاض الأُمَّة بشكلٍ كبيرٍ في ذلك.

· من أبرز المعالم لشخصيته، هو: البصيرة والوعي العالي جداً:

وهذا من أهمِّ المكتسبات من القرآن الكريم، الثقافة القرآنية كلها مكتسبٌ قرآني، يصنع الوعي العالي جداً لدى الإنسان، البصيرة الكبيرة، ومن أهمِّ ما تحتاجه الأُمَّة في مواجهة حجم الضلال الرهيب، والتضليل الكبير الذي يمارسه أعداؤها، وهو من أبرز ما يتَّصفون به، وما يعملون به، وما يستخدمونه كوسيلة للسيطرة على الناس: الإضلال.

جبهة الشر من اليهود والنصارى وأعوانهم، هي جبهة ضلال وإضلال، وفساد وإفساد، وظلم وطغيان، وإجرام بكل ما تعنيه الكلمة، وشرٌ وإجرام بكل ما تعنيه الكلمة، وعلينا أن نراها وفق هذه الحقائق، وأن ننظر إليها وفق هذه الحقائق؛ لأنها حقائق أكَّد عليها الله في القرآن الكريم، وهو "سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى" العليم بعباده، والأعلم بهم حتَّى من أنفسهم، وقدَّم لها الشواهد في القرآن الكريم، وتشهد لها كل الأحداث، كل المتغيرات، كل الممارسات، كل الوقائع في واقع الحياة، في ميدان الحياة، الله لم يتجنَ عليهم فيما وصفهم به بأنهم:{يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[المائدة:64]، بأنهم كما قال عنهم:{وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ}[النساء:44]، وهكذا:{قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}[المائدة:77]، (ضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)، هم جهة ضلال، تصدِّر الضلال، تسعى لإضلال الناس، لإفساد الناس، تتحرَّك بالشر، بالإجرام، بالطغيان، وهذا ما ينبغي أن نراهم عليه.
سبأ