السياسية - وكالات:


في مدينةٍ لا تُترك فيها الحياة لتسير على سجيتها، تتقاطع أدوات الخنق بصمتٍ مدروس. خلف تلال الجليل الغربي، تُدفع مدينة "طمرة" الفلسطينية خطوةً بعد أخرى نحو الاختناق، حيث يتقدّم رصاص الجريمة من جهة، وتزحف جرافات الهدم "الإسرائيلية" من جهة أخرى، فيما تُغلق المداخل وتُحاصر التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية. هنا، لا يبدو الاستهداف عارضاً، بل مساراً طويلاً يُراد له أن يهدم الإنسان كما يهدم المكان.


طمرة، إحدى كبرى مدن الفلسطينيين في أراضي عام 48، لم تكن يوماً مجرد تجمع سكني، بل ذاكرة فلسطينية حية ومحاولة دائمة للبقاء. شوارعها لم تعد طرقاً للعبور، بل شرايين مثقلة بالقهر، تنزف تحت وطأة ثالوث قاتل: جريمة تُترك بلا رادع، وهدم ممنهج، وحصار يُحكم الطوق على الأرض والسكان.


وخلال الأشهر الأخيرة، شهدت المدينة عشرات جرائم القتل، في مشهد يتكرر بصورة صادمة. ويؤكد الأهالي أن ما يجري تجاوز حدود “القصور الأمني”، ليتحول إلى سياسة ممنهجة تترك المجتمع الفلسطيني فريسة للفوضى والدم.


اليوم، ومع الإضراب الشامل الذي دعت إليه بلدية طمرة، بدت المدينة كمدينة أشباح. محال تجارية مغلقة، مدارس خالية، وحركة مشلولة تماماً. صمت ثقيل فرضه الأهالي لا حداداً، بل احتجاجاً جماعياً ورسالة بأن الحياة اليومية لن تستمر وكأن الدم يُسفك بلا ثمن.


يقول محمد أبو ذياب، أحد سكان المدينة لـ وكالة "صفا" الفلسطينية: “يريدوننا أن نترك بيوتنا ونرحل، إما بالهدم أو بالقتل”، ويضيف أن الجريمة في طمرة لم تعد حوادث عابرة، بل تحولت إلى “إرهاب مدني يجري في وضح النهار”، محملاً العدو الإسرائيلي، بوصفه السلطة القائمة على المدينة، المسؤولية الكاملة عما يحدث.


من جانبه تساءل مأمون أبو موسى : “كيف تنجح المخابرات الصهيونية في الوصول إلى إبرة في منطقة ضيقة لأسباب أمنية، بينما تعجز عن لجم عصابات الجريمة التي تفتك بالمجتمع الفلسطيني؟”، ليجيب بأن الأمر ليس عجزاً، بل خياراً سياسياً قائماً على دعم القتل كما الهدم، واستخدام الأدوات المختلفة لهدم الإنسان والبيت معاً.


ولا يتوقف الحصار عند رصاص الجريمة. فطمرة، بجغرافيتها، تحولت إلى سجن كبير. مئات المنازل مهددة بالهدم بحجة “البناء غير المرخص”، في وقت ترفض فيه سلطات العدو الإسرائيلي توسيع مسطح المدينة أو المصادقة على خرائط هيكلية تلبي احتياجات الأزواج الشابة، ما يدفع الشباب للبناء بلا ترخيص كخيار وحيد للبقاء فوق أرضهم.


ويفاقم المعاناة التضييق المتواصل على مداخل المدينة، عبر إغلاقات متكررة واختناقات مرورية بذريعة “الإجراءات الأمنية” أو مشاريع بنية تحتية طويلة الأمد، ما يعزل طمرة اقتصادياً ويحوّل خروج العمال والموظفين إلى رحلة عذاب يومية.


رئيس المجلس المحلي في طمرة، موسى أبو رومي، يؤكد أن ما تتعرض له المدينة ليس حالة معزولة، بل جزء من سياق عام يستهدف الفلسطينيين في الداخل المحتل. ويقول خلال وقفة احتجاجية ضد الجريمة إن “الإضراب الشامل رسالة واضحة بأن الدم الطمراوي ليس رخيصاً، وأن سياسات الهدم والحصار لن تزيد الناس إلا تمسكاً بأرضهم”.


ويندد أبو رومي بإغلاق قوات العدو الإسرائيلي لمنافذ المدينة أثناء الوقفات الاحتجاجية، كما يحدث خلال عمليات الهدم والتضييقات المرورية، واصفاً ذلك بأنه سلوك إجرامي يهدف إلى إذلال المواطنين وكسر إرادتهم، مشيراً إلى أن تهديد مئات المنازل بالهدم يتزامن مع تعطيل متعمد للخرائط الهيكلية، ما يضع السكان أمام خياريات صعبة.


في طمرة، تتغير الأدوات لكن الهدف واحد: تفريغ المكان من أهله، إما عبر الرصاص، أو بالجرافات، أو بخنق الحياة اليومية. ومع ذلك، يصرّ أهل المدينة على أن الإضراب ليس نهاية الطريق بل بدايته، وأن الصمت الذي لفّ الشوارع اليوم ليس استسلاماً، بل صرخة جماعية تقول إن طمرة، رغم الحصار والجراح، ما زالت متمسكة بأرضها، وترفض أن تُكسر أو تُمحى من الذاكرة والجغرافيا.