الفيفا في خدمة الهيمنة الغربية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في عام 2022، طرد الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" المنتخب الروسي من كل المناسبات الرياضية المرتبطة به بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا، وكانت الذريعة هي "حماية نزاهة البطولات" واستقرارها؛ لأن الاتحادات الأوروبية هددت بالانسحاب من أي مناسبة تشارك فيها الفرق الروسية.
هذا الطرد في حد ذاته يتعارض مع مبادئ الفيفا التي تزعم الفصل بين السياسة والرياضة، وهي الذريعة التي رفعتها الفيفا لاحقاً عندما رفضت طرد الفرق الرياضية المرتبطة بالكيان الصهيوني بسبب جرائم الإبادة التي يرتكبها في غزة، وهنا تظهر المفارقة التي تؤكد أن أكبر هيئة رياضية في العالم ليست سوى أداة في خدمة السياسة الغربية ونفوذها في العالم.
وقبل أن تتوقف حرب الإبادة في غزة، أثارت الفيفا الجدل مرة أخرى؛ ففي 5 ديسمبر 2025، وخلال حفل قرعة كأس العالم 2026 بمركز جون كينيدي في واشنطن، فاجأ رئيس الفيفا "جياني إنفانتينو" العالم بمنح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب النسخة الافتتاحية مما سُمي بـ "جائزة الفيفا للسلام - كرة القدم توحد العالم".
وكان التكريم بمثابة دعم مبطن للجرائم التي يرتكبها ترامب في العالم، من رعايته للإبادة في غزة إلى العدوان الذي شنه على اليمن في مارس من العام نفسه، إضافة إلى ما فعله بالرئيس الفنزويلي المناضل نيكولاس مادورو، وانتهاءً بالعدوان على إيران، وهو الحدث الذي لطالما تحدث عنه ترامب حتى قبل وصوله للمكتب البيضاوي في يناير 2025.
تعتبر هذه اللفتة الدليل الأقوى على أن الفيفا لا تحترم نظامها الأساسي، وخاصة "المادة الرابعة" التي تفرض الحياد السياسي وتعاقب بموجبها أي حكومة تتدخل في شؤون كرة القدم؛ وبذلك أطلقت رصاصة الرحمة على ما كانت تسميه بـ "استقلالية الرياضة". فالمنظمة لا تقف على مسافة واحدة من الجميع كما كانت تزعم، وتحولت علانيةً إلى كيان "يصيغ الجوائز على المقاس" لخدمة الأجندات السياسية وقادة الدول العظمى والمضيفة.
ومع اقتراب مونديال 2026 في الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، يتجلى التسييس الأمريكي للبطولة الأهم في رياضة كرة القدم، ويُجسّد المنتخب الإيراني اليوم الضحية الكبرى لسياسة "الكيل بمكيالين" التي تنتهجها الفيفا؛ فقد وقفت صامتة ومتواطئة أمام تعنت السلطات الأمريكية التي رفضت منح تأشيرات دخول لأعضاء الوفد الإيراني لحضور مراسم القرعة الرسمية لبطولة 2026؛ وهو إجراء يمثل إقصاءً معنوياً وتقنياً استباقياً لأحد المنتخبات المشاركة، ولحد اللحظة لا تزال مشاركة المنتخب الإيراني محفوفة بالمخاطر وسط حديث عن تهديدات للاعبين لإجبارهم على الانشقاق وإبداء معارضة سياسية لحكومة بلادهم مقابل وعود احترافية في الدوريات الغربية.
هذا التضييق الممنهج يضع مشاركة إيران في البطولة تحت مقصلة التهديد المباشر؛ فالفيفا لا تحمي استقلالية الرياضيين من التجاذبات السياسية للدولة المضيفة، بل وتمارس ضغوطاً خانقة لإرغام طهران على اللعب في بيئة عدائية ومسمومة سياسياً وأمنياً. وفي حال قررت إيران الانسحاب احتجاجاً على انتهاك كرامتها الرياضية، فإن الفيفا لا تتوانى عن التلويح بسيف "العقوبات المالية والرياضية" القاسية، التي تشمل غرامات بالملايين وحرماناً من حقوق البث والمكافآت.
في الختام، يتضح أن شعار "فصل الرياضة عن السياسة" ليس سوى تعويذة تُردد لتنويم الجماهير مغناطيسيًا، فيما الواقع يؤكد أن اللعبة تُدار من خلف الكواليس بـ "ريموت كنترول" تملكه القوى العظمى، وها هي الفيفا تمنح "صكوك الغفران" لزعماء السياسة، وتفصّل الجوائز على مقاس الولاءات الجيوسياسية باعتبارها أحد أسلحتها الناعمة. لذا، حين تجلس أمام الشاشة في صيف 2026 لتشاهد المونديال، تذكر أنك تتابع مسرحية كبرى تم إعداد سيناريو نتائجها وضمانات نجاحها في الغرف المظلمة بعواصم القرار الغربي، وهذا يفسر لماذا لم تفز فرق العالم الثالث أو المعسكر الشرقي سابقاً ببطولة كأس العالم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

