كل حكام الخليج من البدون
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تعيش منطقة الخليج حالة مزمنة من العنصرية والتمييز المناطقي والتنمر الرسمي ضد الكثير من المواطنين، وأغلبها بدوافع سياسية وطائفية سببها الرئيس الولاء المطلق للمشروع الصهيوني الذي فرض على تلك الأنظمة سياسات معينة تتناقض مع الدين والعقيدة وحتى الهويات الشعبية والعشائرية لسكان الخليج.
وبما أن ورقة "البدون" هي الذريعة الأبرز لإسقاط الجنسيات، فإن هذه الذريعة تشمل حتى الحكام أنفسهم؛ فالأغلب جاؤوا من مناطق خارج الدول التي يحكمونها، ولعل الشاهد الأبرز العائلة الحاكمة في البحرين (آل خليفة) التي فرت إليها في القرن الثامن عشر هرباً من الاجتياح الوهابي لموطنهم الأصلي في قطر، حيث أصل موطنهم، وقد استقبلهم الشعب البحريني بكل ترحاب ليجازوه اليوم جزاء سنمار.
أما العائلة الحاكمة في الدوحة (آل ثاني) فأصلها من نجد، وقد نصبها آل سعود على قطر خلال حكم الدولة السعودية الأولى، التي سقطت مطلع القرن التاسع عشر على يد العثمانيين، وقد تحالف آل ثاني مع الأتراك لضمان بقائهم في السلطة، ولذلك فإن العداوة بينهم وبين آل سعود قديمة؛ حيث ترى الأخيرة أن لها الفضل في حكمهم لقطر وأن من الواجب أن يدينوا بالولاء للرياض، وهو ما ينكره آل ثاني ويلتفون عليه بتحالفات تتجاوز الهيمنة السعودية على الخليج.
والحال ينطبق على آل الصباح، حكام الكويت، فهم ينحدرون في أصولهم الأولى من منطقة نجد في شبه الجزيرة العربية، قبل أن ينتقلوا للاستقرار لفترة من الزمن في مناطق جنوب إيران وشط العرب حيث عملوا في النهب وقطع الطرقات. وبسبب خلافات مع السكان المحليين هناك، غادرت الأسرة تلك المناطق لتستقر في الكويت منتصف القرن الثامن عشر، والتي كانت تُصنف آنذاك إدارياً وجغرافياً كجزء تابع لولاية البصرة. ولم يكن للكويت أن تنفصل عن هذا الامتداد لولا التحالفات السياسية الاستراتيجية التي عقدها آل الصباح لاحقاً مع بريطانيا (الإنجليز)، سعياً منهم لتثبيت دعائم حكمهم والاستقرار بعيداً عن نفوذ الدولة العثمانية.
أما بلاد الحرمين، فليست وطناً لآل سعود، وقد استولوا عليها بالقوة ومارسوا بحق أهلها أبشع الجرائم، مثل مجزرة الطائف، وقد سيطروا عليها بتمويل ورعاية الإنجليز نكاية في الأشراف حكام الحجاز الذين رفضوا التنازل عن فلسطين لليهود، وهو الأمر الذي سارع إليه ابن سعود في معاهدة دارين سنة 1915، وأعلن فيها ولاءه وولاء دولته للإنجليز حتى قيام الساعة.
تأسيسًا على ما تقدم، يتضح أن المشهد السياسي والجغرافي في منطقة الخليج هو نتاج تداخلات معقدة بين هجرات سكانية، وتحالفات قوى دولية رسمت حدود الممالك والإمارات بالشكل الذي تبدو عليه اليوم. وتوظيف القوى الحاكمة لملفات المواطنة والهوية لإقصاء معارضيها أو الضغط على سكانها الأصليين، يرتد في نهاية المطاف تساؤلاً جوهرياً حول شرعية تلك الأنظمة وجذورها التي امتدت خارج حدودها الحالية، والارتباطات التاريخية التي عقدتها مع القوى الاستعمارية الكبرى لضمان بقائها واستمرار عروشها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

