السياسية - تقرير: نضال عليان*




في ليلة ماطرة باردة، في أحد مخيمات النزوح في قطاع غزة، وبينما كان نائماً، صحا أبو آدم على صراخ طفله الرضيع، صراخ قوي لم يسمعه من قبل. وعندما شاهد طفله، تفاجئ بالدم يملأ وجهه بسبب إحدى القوارض ، وتدع "عرسة" وقد عظّته.

يحكي أبو آدم قصة نجله، متحدثا لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ): "كنا نايمين بالليل والدنيا مطر وشتاء وبرد ، وفجأة لقيت الولد بيصرخ، وطفلي أول مرة يصرخ بصوت عالي هكذا، فقمت أنا وزوجتي وضويت بجوالي على وجه الولد ولقيت وجهه مليان دم ، والفرش مليان دم ، ومش قادرين نعمل إشي".

وأضاف: "مرتي قالت لي، في إشي كبير قرص الولد، فحركت ضوء جوالي، فلقيت "عرسة" كبيرة، نزلته من تحته وراحت تحت الطاولة، فعرفت أنها عظت الولد، ورحنا نجري بيه وسط المطر عشان نسعفه".

في ظل الدمار الهائل لقطاع غزة، نتيجة جريمة الإبادة الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني في القطاع منذ أكثر من عامين ونصف، زاد انتشار القوارض بشكل كبير غير مسبوق حتى أصبحت ظاهرة خطيرة لها عواقب وخيمة تنذر بكارثة على الوضع الصحي والبيئي في القطاع.

تجد القوارض ركام المنازل المدمرة بيئة مناسبة لها، وتنتشر بين مخيمات النزوح بحثاً عن غذاء ، فتعرض حياة الأطفال الصغار للخطر وتؤدي لانتشار الأمراض والأوبئة.

كارثة غير مسبوقة

وفي حديث لوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، اليوم الاثنين، حذّر المتحدث باسم بلدية مدينة غزة، حسني مهنا، من كارثة حقيقية تهدد الوضع الصحي والبيئي في مدينة غزة، نتيجة لانتشار غير مسبوق للقوارض والحشرات.

وأشار إلى أن هذا الانتشار مرتبط بعدة عوامل متراكمة أبرزها؛ التدمير الواسع للبنية التحتية، خاصة شبكات الصرف الصحي، وتكدّس أكثر من 25 مليون طن من الركام داخل المدينة، وتوفير بيئة خصبة لتوالد القوارض والحشرات وتكاثرها، بالإضافة إلى تراكم النفايات الصلبة في الشوارع ووسط المدينة نتيجة تعطل خدمات الجمع، حيث يتكدس أكثر من 350 ألف طن في غزة لوحدها.

وذكر مهنا أن من أسباب انتشار هذه القوارض والحشرات؛ أيضا، النقص الحاد في المياه وعدم انتظام ضخها، والاكتظاظ الشديد في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح.

وأكّد أن كل هذه الظروف خلقت بيئة مثالية لتكاثر القوارض والحشرات بشكل خارج عن السيطرة، في ظل غياب الإمكانيات اللازمة للمكافحة، ورفض العدو الإسرائيلي السماح بإدخال المعدات والآليات اللازمة لعمل البلديات إضافة إلى المواد والطعوم السامة لمحاربة هذه الحشرات والقوارض.

مخاطر صحية وبيئية

وعن المخاطر الصحية والبيئية المترتبة على انتشار القوارض، أوضح المتحدث باسم بلدية غزة أن انتشارها لا يمثل مجرد إزعاج، بل أصبحت تهديد مباشر للصحة العامة، حيث تنقل هذه الكائنات العديد من الأمراض الخطيرة، مثل: أمراض بكتيرية كالسالمونيلا، وأمراض جلدية وتنفسية، واحتمالية نقل أمراض وبائية في بيئة مكتظة.

ولفت إلى أن القوارض تساهم في إتلاف مخزون الغذاء المحدود لدى سكان قطاع غزة، وتلويث مصادر المياه، والإضرار بالبنية التحتية الهشة، خاصة شبكات الصرف الصحي، مشيراً إلى أن منظمة الصحة العالمية حذرت من أن القوارض تُعد من أهم ناقلات الأمراض في البيئات التي تعاني من ضعف خدمات الصرف والنظافة.

الأطفال أول الضحايا

وأكّد مهنا أنه تم تسجيل حالات اعتداء فعلية من القوارض على النازحين، خاصة الأطفال، داخل الخيام ومراكز الإيواء.

وقال: "لكن في ظل المواد المفقودة لمحاربة هذه القوارض والحشرات، نتيجة الحصار الإسرائيلي، نعمل في البلدية حاليًا على تدخلات جزئية لمعالجة بؤر الصرف الصحي المكشوفة وإجراء أعمال صيانة، وإزالة المكبات العشوائية في بعض المناطق ما استطعنا لذلك سبيلا، لكن هذه الجهود تبقى محدودة جدًا ولا ترقى لحجم الكارثة، بسبب نفاد المواد الأساسية".

وأشار إلى أن بلدية غزة تعاني من نقص حاد في المبيدات الحشرية والمواد والطعوم السامة، ونقص في الوقود اللازم لتشغيل الآليات والمركبات، وشح في قطع الغيار والزيوت، إلى جانب تدمير العدو الصهيوني للمعدات الثقيلة اللازمة لإزالة الركام، وكل ذلك يُعطل بشكل كبير قدرة البلدية على التدخل الفعّال، ويجعل الاستجابة للأزمات البيئية محدودة للغاية.

احتياجات ماسة

وتحدث مهنا عن احتياجات قطاع غزة حتى يتمكن من النهوض، أبرزها إزالة الركام الذي يتجاوز 25 مليون طن في مدينة غزة لوحدها و70 مليون في القطاع بأكمله، وإعادة تأهيل شبكات الصرف الصحي والمياه والطرقات، وإدخال الآليات الثقيلة والمعدات التشغيلية الحديثة التي تتناسب مع حجم الدمار الهائل، وتوفير الوقود والزيوت بشكل مستمر إلى جانب المستهلكات.

وأفاد بأن قطاع غزة بحاجة أيضاً إلى إدخال مواد البناء دون قيود، وإدخال منظومات الطاقة البديلة سواء أكانت مولدات كهربائية أو أنظمة طاقة شمسية، ودعم البلديات ماليًا وفنيًا.

وأكّد المتحدث باسم بلدية مدينة غزة، أنه بدون هذه المتطلبات، ستبقى المدينة في دائرة الخطر البيئي والصحي.


سبأ