السياسية:



بين إقرارٍ وآخر يصدر عن "جيش" الاحتلال الإسرائيلي، يتكرّس مشهد الغرق في "مستنقع جنوب لبنان"، مع اعترافٍ ضمني بأن أحد أبرز أسبابه يتمثّل في محلّقات حزب الله، باعتبار أنها سلاح يفرض، رغم بساطته النسبية، معادلة ردع على قواتٍ لا تخفي أن شاغلها الأساسي في الجنوب يتمثّل في "هدم المنازل المدنية".

وتقرّ هذه القوات بأن تلك المحلّقات تُربك عملياتها، وتستنزف تركيزها، وتضاعف الضغط الميداني عليها بوتيرة متسارعة، ومع تكرار هذا الإقرار، يتّجه الحديث اليوم نحو التسليمٍ بأن أداةً واحدة باتت تستحوذ على حيّزٍ واسع من التفكير العسكري الإسرائيلي، طارحةً بذلك تساؤلات جدية حول جدوى ما يسمّونه "الحزام الأمني" في المنطقة.

أما خشية "إسرائيل" من حزب الله، فلم تعد مسألة معقّدة في قراءتها، إذ يبدو أن الحزب يرسّخ معادلاته عبر تكتيكات أثبتت فعاليتها في محطات سابقة، وتظهر اليوم بوضوح في ردوده على خروقات الاحتلال في الجنوب. وبذلك، ينتقل النقاش من أصل القلق من المقاومة -وهو أمر محسوم- إلى القلق من تفاصيل ما تعتمده من أساليب، وما قد تحمله من مفاجآت ميدانية، ليغدو التركيز منصبّاً على نماذج بعَينها تتقدّمها المحلّقات الانقضاضية بوصفها العنوان الأبرز لهذا التحوّل في الفترة الآنيّة.

ما الذي يميّز المحلّقات الانقضاضية؟

أدخلت المقاومة الإسلامية في لبنان إلى معركة الدفاع عن البلاد طائرات مسيّرة مفخخة تُعَدّ، بحسب ما يورده الإعلام الإسرائيلي، جيلاً أكثر تطوّراً مقارنة بما استُخدم في جولات قتال سابقة (أي حرب الـ 66 يوماً عام 2024).

هذا النمط من السلاح يوفّر قدرة أعلى على الاستمرار في الضغط الميداني ضمن العمق القريب، ويُشكّل تحدياً متصاعداً لمنظومات الرصد والاعتراض التقليدية، في ظل محدودية الخيارات التقنية المتاحة للتعامل معه حتى الآن.

1- طبيعة التشغيل والتوجيه
تعتمد هذه المسيّرات على الألياف الضوئية في التوجيه، ما يجعلها غير قابلة لاعتراض بثّها أو التشويش الإلكتروني عليها، وبالتالي يصعب رصدها أو تحويل مسارها عبر أنظمة الحرب الإلكترونية لدى "جيش" الاحتلال، كونها تعمل بصورة صامتة ومن دون إشارات قابلة للاعتراض.

2- القدرة على المناورة وتجاوز الرصد
ويُشكّل غياب الاعتماد على أنظمة تحديد المواقع عنصراً أساسياً في صعوبة التعامل مع هذه المسيّرات، إذ لا تمرّ عبر قنوات إشارات يمكن تتبّعها أو اعتراضها مبكراً، ما يجعل مسارها أقرب إلى حركة غير مكشوفة للمنظومات التقليدية.

وبذلك، يقول الخبير العسكري الاستراتيجي، العميد علي أبي رعد للميادين نت إن البيئة الجبلية والتلال العالية ووعورة التضاريس في جنوب لبنان، تسمح للمحلقات بالمناورة ودخول المباني والأماكن الضيقة ما يجعلها فعّالة أكثر، ويؤدي إلى عدم اكتشافها إلا في اللحظات الأخيرة، وبالتالي، لا تتمكن أنظمة الرادار أو الحرب الإلكترونية من تحديد موقعها أو تتبّع اتجاهها بشكل دقيق خلال معظم مراحل الطيران، ويبقى احتمال اكتشافها قائماً فقط في اللحظات الأخيرة قبل الوصول إلى الهدف، عندما تصبح ضمن مدى الرؤية أو الاشتباك المباشر.

هذا النمط من التشغيل يمنحها قدرة أعلى على المناورة ضمن بيئة معقّدة، ويقلّص من الزمن المتاح أمام أي ردّ فعّال، ما يضيف عنصر مفاجأة متكرراً، ويزيد من صعوبة بناء إجراءات اعتراض مسبقة أو دقيقة في التعامل معها.

3- الحمولة والمدى
وتستطيع هذه المسيّرات حمل ما بين 5 إلى 7 كيلوغرامات من المتفجرات، وفقاً للعميد أبي رعد، مع اختلاف في مداها العملياتي تبعاً لنوعها وطول الألياف الضوئية المستخدمة في توجيهها، إذ يمكن أن يبدأ المدى من نحو 10 كيلومترات وقد يصل في بعض النماذج إلى عشرات الكيلومترات، بينما يُعتمد في الغالب على مدى أقصر في العمليات القريبة من خطوط الاشتباك، بما يتناسب مع طبيعة الأهداف الميدانية وسرعة التنفيذ.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا النوع من التكنولوجيا ليس جديداً بالكامل، إذ برز استخدامه وتطويره بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة في ساحات قتال أخرى، ولا سيما في الحرب الروسية- الأوكرانية، حيث شكّل جزءاً من تطور أدوات الحرب الحديثة المعتمدة على المسيّرات منخفضة التكلفة وعالية التأثير.

4- رصد ميدان المعركة
تمتد وظيفة هذه المحلقات إلى مهام متعددة تشمل ضرب دبابات وتجمعات لقوات العدو، إضافة إلى استخدامها في مراقبة المجال الجوي ورصد ميدان المعركة بشكل عام، كما يُستفاد منها أيضاً في أعمال الاستطلاع وجمع المعلومات حول تحركات القوات الإسرائيلية، خصوصاً في ميدان الجنوب المميز بالطبيعة الجبلية والأودية، ما يمنح المقاومة قدرة إضافية على الرصد الجوي المستمر، وليس فقط تنفيذ الضربات، وإنما متابعة حركة العدو وتطوّر انتشاره وتقدمه ميدانياً.

5- الدفاع المرن
تعتمد المقاومة في هذا الإطار نمطَ قتال يقوم على الاستنزاف وإيقاع الخسائر بالعدو بدل التمسك بخطوط ثابتة أو مواجهة تقليدية على الأرض، فمع أي تقدّم إسرائيلي في جنوب لبنان، يُفعَّل هذا السلاح الذي أسهم في تكريس معادلة ردع إضافية أربكت حسابات "جيش" الاحتلال، وأبقت النقاش مفتوحاً حول كيفية التعامل مع هذه الظاهرة التي وُصفت بأنها "استهدفت نقطة ضعف في بنيته الميدانية".

ويُترجم هذا النهج عملياً عبر استهداف مباشر للقوات المتقدمة، سواء المدرعة أو وحدات المشاة، ما يؤدي إلى إصابات وخسائر متكررة، وهو ما تُظهره أيضاً المقاطع المصوّرة التي تنشرها المقاومة، والتي توثّق نمط الاستهدافات ضمن هذا السياق القتالي القائم على الاستنزاف وتوسيع كلفة التقدّم الميداني للعدو.

إزالة الغطاء عن حدود سردية "القوة" الإسرائيلية

وعليه، تتوالى الاعترافات الإسرائيلية بحالة القلق التي تفرضها المحلّقات، بدءاً بما أوردته صحيفة "هآرتس" التي أقرت بافتقار "الجيش" إلى حلول فعّالة لمواجهتها، في موازاة استمرار قادته في الاعتداء على المنازل المدنية في جنوب لبنان مقابل "مكافآت مادية"، بما يعكس مفارقة بين عجزٍ متزايد في التعامل مع هذا النوع من التهديدات، وبين التمادي في سياسة التصعيد على الأرض بما يفاقم الضغط الميداني أكثر.

بدورها، أقرّت قناة "i24News" الإسرائيلية بأنّ الطائرات المسيّرة المفخخة باتت تشكّل تهديداً مركزياً لقوات "جيش" الاحتلال في جنوب لبنان، في ظلّ الصعوبة التي تواجهها المنظومات الدفاعية في اعتراضها، وفي إطار غياب أي حلّ فعّال قادر على احتوائها حتى الآن، ما يشير إلى انتقال هذا النوع من الأدوات إلى موقع التأثير المباشر في المعادلة الميدانية جنوباً.

وأقرّ مسؤول إسرائيلي "أمني رفيع" للقناة عينها، أنّ المسيّرات هذه شكلت مفاجأة حقيقية وكبيرة لـ "الجيش" الإسرائيلي في جبهة لبنان، معترفاً بعدم استعداد قوات الاحتلال لهذا النوع من التهديد، متحدثاً عن عشرات الطائرات المُسيّرة الهجومية كل أسبوع في جميع جبهات القتال، "بعضها يُلقي ذخائر، وأخرى تحاول الانفجار بالقوات الإسرائيلية".

يدلّ هذا على حالة ارتباك متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمام تصاعد هذا النمط من التكتيكات، واتساع دائرة التهديدات التي لم تعد محصورة بأدوات تقليدية "يمكن احتواؤها بسهولة"، كما كان يظن "جيش" الاحتلال، بما يضعه أمام واقع عملياتي أكثر تعقيداً، يفرض عليه إعادة تقييم منظومات الرصد والاعتراض، ويكشف حدود قدرة المحتل على التعامل مع أشكال قتال غير نمطية تتكاثر بوتيرة متسارعة على جبهة الشمال.

وعليه، يضع هذا المعطى المؤسسة العسكرية أمام فجوة واضحة بين ما تملكه من أدوات دفاع تقليدية وبين طبيعة تهديدات أكثر تطوّراً ومرونة، لم تعتد عليها من قبل، ما يزيد قلقها وإقرارها بـ "التآكل الخطير" داخل "جيشها"، وبـ "الفشل المطلق" الذي يُختم به "القتال في لبنان"، وبقدرة الحزب على خلق معادلاتٍ جديدة بشكل دائم.

وفي سياقٍ موازٍ، أدلَت صحيفة "إسرائيل هيوم" بانتقاداتها لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، قائلةً إنّ "إسرائيل" ظنت أنها أوقعت حزب الله في فخ استراتيجي، لكنها كانت مخطئة جداً، فالتصريحات البائسة حول "ردّ قوي"، تهدف أساساً إلى امتصاص الضغط الداخلي، أكثر من كونها انعكاساً لتحوّل حقيقي في طبيعة العمليات.

وتتوالى "الأحداث الصعبة" في جنوب لبنان، على وقع استهداف قوات الاحتلال بمحلّقات المقاومة الإسلامية، في إطار ردّها على خروقات العدوّ لاتفاق وقف إطلاق النار، ما يظهر على الأرض من خلال سقوط إصابات وقتلى في صفوفه، استكمالاً لحالة "الاستنزاف الميداني في الشمال".

نتنياهو العاجز عن اعتراض محلقات صغيرة.. يبحث عن "حرية العمل"!

واعتبر محللون إسرائيليون أن المحلقات قد تشكل بديلاً جزئياً، أو مكمّلاً فعالاً، للصواريخ المضادة للدروع، فهي أقل كلفة، أكثر مرونة، ولا تحتاج إلى بنى إطلاق معقدة أو مكشوفة للاستهداف، وهذا يمنح حزب الله، بحسب المحللين، قدرة على الاستمرار في الضغط العملياتي بوتيرة أعلى، مع تقليل المخاطر اللوجستية المرتبطة بالأسلحة الثقيلة.

ويطرح الإعلام الإسرائيلي المحلقات اليوم بوصفها سلاحاً يغيّر قواعدَ الاشتباك، إذ تتكشف بذلك مفارقة لافتة تُفقد هذه الادعاءات كثيراً من "ثقتها"، وتحوّل "السيطرة" المعلنة إلى مساحة اختبار يومي لحدود الفعل نفسه داخل المنظومة الإسرائيلية، بما يمنح هذا النوع من التهديد بعداً يتجاوز حجمه العسكري المباشر ليقترب من كونه كشفاً لخلل في "سردية القوة" التي تُعرّي "إسرائيل" اليوم.

"إسرائيل" التي تُطلق خطاباتها بلهجةٍ واثقة عن "حرية العمل في جنوب لبنان"، وعن "خط أصفر" تحاول رسمه بالتوازي مع استمرارها في الهدم والتدمير، تبدو اليوم أمام مشهد أكثر إرباكاً وضعفاً، حين تعجز، رغم امتلاكها ترسانة ضخمة، عن اعتراض محلّقات صغيرة على "حدودها الشمالية".

* المادة نقلت حرفيا من موقع الميادين نت ـ الكاتب: هبة دهيني