إيران تنقل المعركة إلى شوارع الخليج
السياسية || محمد محسن الجوهري*
رغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة التي ترصد الحجم الفعلي لخسائر الاقتصاد الخليجي جراء الاستهدافات الإيرانية، إلا أن المؤشرات التقنية تؤكد أن الكلفة الحقيقية تتجاوز بكثير ما يتم تداوله في المنصات الإعلامية أو البيانات الحكومية. ومن المتوقع أن تمتد آثار هذا النزيف الاقتصادي لسنوات مقبلة؛ نظراً لاستمرار حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة، والتي أدت إلى تحويل واحدة من أهم حاضنات إنتاج الطاقة وجذب الاستثمارات العالمية إلى ساحة صراع مفتوحة لا تلوح في أفقها بوادر تهدئة قريبة.
باتت الاستثمارات في دول الخليج في نظر المحللين، رهينة لمخاطر أمنية عالية جعلت من كل دولار يُضخ في المنطقة رهاناً خاسراً سلفاً. فبعد أن نجحت إيران في ضرب ركيزة الاستقرار، اهتزت الثقة في المستقبل الاقتصادي للمنطقة؛ فالتدفقات الاستثمارية بطبيعتها تبحث عن "الملاذات الآمنة"، ومع تحول الخليج إلى ساحة مفتوحة لعدم الاستقرار، أصبح هرب الأصول والاستثمارات نتيجة حتمية لغياب الأمن الذي يمثل العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية.
كما تسببت الهجمات الإيرانية في إغلاقات متكررة للمجالات الجوية والمطارات المحورية (مثل دبي والدوحة)، مما أدى لإلغاء آلاف الرحلات وتراجع حاد في أعداد السياح، وهذا التراجع يعني فقدان مليارات الدولارات من الإنفاق السياحي المباشر، ويمتد أثره لقطاعات التجزئة والعقارات المرتبطة بالطلب الخارجي.
باختصار، تحولت الخليج إلى منطقة حرب، مثلها مثل الصومال واليمن، والقادم لا شك أسوأ ما دامت إيران توجه ضرباتها الأمنية للمدن الخليجية التي تحولت إلى مدن أشباح، وقد نجحت في ذلك باستراتيجيات سهلة ومنخفضة التكلفة، فالاستثمار في الفوضى سهل جداً بالمقارنة مع الاستثمار في التنمية، وقد نجحت إلى حدٍ كبير في زعزعة الأمن الخليجي بسهولة ويسر دون أن تضطر لتحريك جيشها الرسمي، لتصبح زعزعة الأمن الخليجي بالنسبة لطهران سلاحاً رخيص الثمن، دائم الأثر، وسهل التفعيل.
ولكن ما مصلحة إيران من ضرب الاقتصاد الخليجي؟
نتذكر جميعاً تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في عام 2017 عن نقل المعركة إلى الداخل الإيراني، وأن بلاده تقف بحزم في وجه ما وصفه بـ "النزعة التوسعية الإيرانية". كان ذلك التهديد في أوج الازدهار الخليجي وفي قمة العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران، وقد تبع تلك العقوبات ضربات نُفذت من جماعات إرهابية موالية للخليج وتسببت بمقتل الآلاف من المدنيين وخسائر فادحة في الاقتصاد الإيراني.
وقد قابلت طهران ذلك بسياسة الصبر الاستراتيجي ولم تُقدم على تنفيذ هجوم انتقامي واحد على الخليج، مما شجع تلك الأنظمة على التمادي في العصف بالشعب الإيراني ومصالحه القومية، وصولاً إلى العدوان الصهيو-أمريكي من الأراضي الخليجية، وبمشاركة مباشرة منها بحسب ما أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة، ولإيران الحق في كل ما فعلته وستفعله، ويبقى ذلك قليلاً نسبياً بالمقارنة مع ما تعرضت له من اعتداءات وتحريض إعلامي وشيطنة لها ولشعبها، فقد حان الوقت لتسقي خصومها من الكأس ذاتها وبذات الأسلوب والأدوات التي مُورست ضدها.
وكل ذلك لا يتجاوز مبدأ "المعاملة بالمثل" الذي تقره الأعراف السياسية، ولذلك قوبلت الهجمات الإيرانية في الخليج بدعم شعبي واسع عربياً وعالمياً، لأن من حق إيران الدفاع عن أمنها القومي وحماية مصالحها السيادية بكل الوسائل المتاحة، بما في ذلك نقل الصراع إلى ساحات الخصوم الذين جعلوا من أراضيهم منطلقاً لإضعافها. فبعد سنوات من الحصار الاقتصادي والتحريض الإعلامي الذي استهدف لقمة عيش المواطن الإيراني، صار الرد الرادع ضرورة لفرض معادلة توازن جديدة تُفهم دول المنطقة أن تكلفة العداء والتحريض ستكون باهظة ومباشرة، وأن الرهان على الحماية الخارجية لن يمنع وصول التبعات إلى عقر دارهم.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

