تقديس الصحابة ليس من الدين
السياسية || محمد محسن الجوهري*
اعتاد الطغاة أن يحوروا العقائد لخدمة مصالحهم، ولو كلف الأمر أن ينقلبوا على الإسلام بكله، وقد كلف هذا الانحراف وصول الأمة الإسلامية إلى ما هي عليه من الاستضعاف والإذعان لأعداء الإسلام التاريخيين من أهل الكتاب، وهنا تتجلى خطورة الطغيان وتعارضه الصريح مع دين الله، وقد تراكم الطغيان على مدى ألف وأربعمائة سنة، ومن بعد رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحتى اليوم.
والانحراف ليس انحرافًا ولا يُحاسب عليه صاحبه إلا من بعد التوضيح الإلهي بالبينات والرسل، ولذلك فإن الانحراف من بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الأخطر على الأمة، والله سبحانه وتعالى يوضح خطورة الأمر وانحراف الناس من بعد ما جاءتهم البينات، وأن سبب الخلاف هنا هو البغي المتعمد وليس نتاج جهل بالحق والرسالة:
"وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..." سورة البقرة (213):
"وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..." سورة آل عمران (19):
"وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ..." سورة آل عمران (105):
"وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..." سورة الشورى (14):
"وَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ..." سورة الجاثية (17):
"فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ..." سورة يونس (93):
ولكن هل يصدق هذا على أمة محمد صلى الله عليه وآله، وهل يُعقل أن يختلف الصحابة من بعده؟
الجواب في السنة المؤكدة لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، مثل قوله: "لَتَحْذُنَّ حذو بني إسرائيل حذو القذة بالقذة"، وهذا الخطاب من النبي لأصحابه محذرًا لهم من الاختلاف من بعد، وأن يستنوا بسنة بني إسرائيل من بعد أنبيائهم، والانقلاب على كل ما أنزله الله من الهدى والبينات، والمصيبة أن اختلاف الجيل الأول يؤصل لاختلاف جميع الأجيال التي تعقبهم، خاصةً إذا جاء من الجهلة من يقدس المختلفين ويعتبرهم سلفًا وقدوة، لأن هذا التقديس ولو كان شكليًا سيجعل من أفعالهم سننًا يجب اتباعها، وسيكفر لاحقًا من يشكك فيها، ولو كانت تتعارض مع توجيهات الله الصريحة في كتابه.
وبالحديث عن السلف والعقائد السلفية، والتي تعتمد في عقائدها على أفعال وسنن الجيل الأول من المختلفين بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن هنالك تشابهًا كبيرًا بين عقائدهم وعقائد بني إسرائيل حد التطابق، فانحراف بني إسرائيل ليس نتاج جهل بدين موسى عليه السلام، بل عن عمد، وقد وضح الله ذلك في كتابه الكريم، كيف أن السلف الصالح من بني إسرائيل لم يكن صالحًا بالمعنى الحرفي، فهم من عبدوا العجل، وقالوا: أرنا الله جهرةً، وخالفوا نبي الله في كل أوامره وتوجيهاته، ثم يأتي من بعدهم أجيال تستن بسنتهم، وتعتبر أفعالهم تلك من القرب إلى الله، رغم أنها تقربهم من الشيطان، وهكذا انتقلت عقائدهم إلى أمة محمد، رغم تحذيره لهم بعدم الاحتذاء بحذو من كان قبلهم.
والخطورة عندما يكون الانحراف بوابة لعودة الطغيان البشري، والطغاة -كعادتهم- يخشون من الحق وأهله، ولذا رأينا بني أمية يحاربون آل بيت النبي لأنهم أهل الحق ودعاته، ويعلمون ذلك علم اليقين، لكن حب السلطة أطغاهم كما أطغى بني إسرائيل من قبل، ودفعهم إلى قتل الأنبياء وتحريف الكتب، ومن هنا يتشكل دين السلاطين عبر الأجيال، الذي هو الدين الرسمي للعالم اليوم، فالعرب يعتنقون دين بني أمية، وخصومهم يعتنقون دين بني إسرائيل، وجميعًا شكلوا تحالفًا صهيونيًا لمحاربة الحق وأهله.
وفي المحصلة، فإن الحق لا يُعرف بالرجال ولا بما توارثته الأجيال، بل يُعرف بالبينات التي أنزلها الله وتوكل هو بحفظها، فمن التزم بها اهتدى، ومن أعرض عنها وقع في ذات المسار الذي حذر الله منه، مهما اختلفت الأسماء والعناوين.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

