تاريخ الهيمنة الإنجليزية على ساحل الخليج
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تاريخ الاحتلال الإنجليزي لمنطقة الخليج قديم جداً، وابتدأ على الفور بعد مرحلة الاحتلال البرتغالي التي انتهت على يد العمانيين سنة 1650م؛ إلا أن الإنجليز تجنبوا المواجهة المباشرة مع حكام عُمان وتعاملوا مباشرةً مع زعامات قبلية داخل الدولة العمانية، وانتهجوا استراتيجية قائمة على تكريس الانقسام، عبر تحويل كل مشيخة قبلية إلى كيان سياسي مستقل بذاته، لضمان تفتيت المنطقة ومنع تبلور أي قوة إقليمية موحدة قد تشكل خطراً على نفوذهم ومصالحهم.
المنطقة التي تُعرف اليوم بالإمارات كان اسمها في تلك الفترة "ساحل القراصنة"، وبحكم أن الدولة العمانية كانت بحرية بامتياز، فقد تركت مناطقها الخلفية ساحة مفتوحة، وهي في الأصل مناطق تابعة للدولة البوسعيدية العمانية، إلا أن الإنجليز نجحوا في الوصول إليها بالتدريج وأبرموا مع زعاماتها القبلية معاهدة سنة 1820م، عُرفت باسم اتفاقية "الساحل المتصالح"، ومن خلال هذه الاتفاقية خضع الساحل للهيمنة البريطانية ولكن بشكل مستقل؛ أي أن كل زعيم منهم يُعتبر سلطة مستقلة بذاته ولا يعترف بغيره من زعامات الساحل، وإن كانوا جميعاً يخضعون للهيمنة البريطانية، وهذا هو أسلوب "فرق تسد" الشهير في العرف السياسي للإنجليز.
في عام 1892م أعلنت بريطانيا الحماية الكاملة على ساحل عُمان ومنعت حكامه من إقامة أي علاقات خارجية أو التنازل عن أراضٍ لأي قوة أجنبية إلا بموافقتها، مما جعل شؤون الدفاع والخارجية تحت السيطرة البريطانية الكاملة، مع ترك الإدارة الداخلية للشيوخ. وقد برزت في تلك الفترة مشيخة القواسم في رأس الخيمة باعتبارها الأقوى بسبب هيمنتها البحرية وقربها من مضيق هرمز، إلا أن الإنجليز حجموا هيمنة القواسم بعد اكتشاف النفط في أبوظبي ومناطق الداخل خلال الثلاثينيات من القرن العشرين؛ عندئذٍ فرضت بريطانيا ترسيماً جديداً للحدود يعطي أبوظبي الأولوية والنفوذ الأكبر بسبب النفط، ولأن آل نهيان -حكام أبوظبي- كانوا أكثر طواعية من القواسم وأقل كلفة في التعامل مع التوجيهات البريطانية.
وهكذا استمر الإنجليز في البحث عن الزعامات الأكثر طواعية في الإمارات، حيث دعموا الشيخ زايد في الانقلاب على أخيه الشيخ شخبوط سنة 1966م، كون الأول ضمن استمرار الوصاية الإنجليزية على البلاد حتى في حال انسحابها العسكري من المنطقة بسبب أحداث ثورة 14 أكتوبر في جنوب اليمن. وقبل انسحابها، صاغت بريطانيا دستور الاتحاد الذي أرسى قواعد الدولة الإماراتية التي خرجت للنور عام 1971م، وتعهدت بضمان استقلالها من أي مطامع سعودية أو إيرانية مع الحفاظ على نفوذها عبر المستشارين وعقود النفط والسلاح.
وبما أن النفوذ البريطاني كان في حالة تراجع بسبب الهزائم السياسية والعسكرية في اليمن ومصر، وخسارة النفوذ الإنجليزي في الهند وطريق التجارة البحري، فقد سلمت بريطانيا نفوذها إلى الولايات المتحدة الأمريكية التي برزت كقوة عالمية عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالي أصبحت لواشنطن الوصاية الفعلية على الإمارات خلفاً للندن. وقد ابتدأت واشنطن نفوذها بفصل إمارتي قطر والبحرين عن الاتحاد، كما منحت جزءاً من المناطق النفطية والساحلية للحليف الأكبر لها في المنطقة وهو النظام السعودي، الذي يبقى الأداة الأكثر طواعية لخدمة الإمبريالية في العالم العربي.
في ظل هذه الحقائق يمكن التنبؤ بحتمية الانفجار الذي ينتظر مستقبل الإمارات وجيرانها؛ فالدول التي قامت على أساس "الوظيفة الأمنية" والتبعية الكاملة للقوى الإمبريالية، سواء الإنجليزية قديماً أو الأمريكية حديثاً، بدأت تفقد مبررات وجودها مع تحول موازين القوى العالمية.
والأسوأ أن عقدة التاريخ والخوف من المجهول والتهديدات الوجودية دفعت الإمارات إلى الارتهان العلني للكيان الصهيوني في محاولة لشراء عمر افتراضي جديد، لكنه في الواقع يسرّع من وتيرة التصادم مع إرادة الشعوب التي لم يعد يفصلها عن الانعتاق سوى كسر قيود التضليل الإعلامي والقبضة الأمنية.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

