فلسطين في مونديال 2026: راية الأحرار في المستطيل الأخضر
السياسية || محمد محسن الجوهري*
تتجه الأنظار صوب مونديال 2026، حاملةً معها طفرةً كروية غير مسبوقة في تاريخ الرياضة العربية؛ إذ تسجل البطولة، ولأول مرة، حضور ثمانية منتخبات عربية تتقاسم الشغف والطموح. هذا الحشد الاستثنائي يمنح الحدث هويةً عربية بامتياز، تفرض بالضرورة استدعاء القضية الأم؛ فكلما جرى الحديث عن العروبة ومقوماتها، لاحت فلسطين في الأفق كبوصلة ثابتة وسرٍّ وجودي لهذه الهوية.
فلسطين، التي ترزح تحت وطأة احتلال غاشم قارب العقود الثمانية، تجد اليوم في هذا المحفل العالمي نافذةً لإقامة الحجة الأخلاقية على ضمير العالم، ودعوةً صريحة لإنهاء الدعم الأعمى للكيان الغاصب، تمهيداً لتمكين شعبها من ممارسة حقه التاريخي والأصيل في العودة والعيش بسلام فوق ترابه الوطني؛ وهو حقٌّ مطلق لا يقبل المساومة، ولا يخضع لمنطق التنازل أو النقاش.
تتوزع هذه القوة العربية الثمانية بين قارتين؛ حيث يمثل آسيا كلٌّ من العراق والأردن وقطر والسعودية، بينما يرفع لواء عرب إفريقيا كلٌّ من مصر وتونس والمغرب والجزائر. وضمن هذه التوليفة التاريخية، يتواجد من الأحرار والغيورين ما يكفي لتحويل كبريات الملاعب العالمية إلى منصات أخلاقية وإنسانية، تسهم في تسليط الضوء على مأساة أطفال فلسطين الذين يواجهون آلة القتل اليومي.
وأمام هذا المشهد، لن يجد الشارع العربي أي عذر إن هو انكفأ أو تخاذل عن نصرة قضيته الأولى، لا سيما وأن الفعل المطلوب لا يتجاوز في بساطته رفع الألوان الأربعة للعلم الفلسطيني؛ ذلك الرمز الذي تجاوز حدود الجغرافيا ليصبح في وعي شعوب الأرض مرادفاً صريحاً لمعاني الحرية والكرامة.
إن إشهار هذا الرمز كفيلٌ بجعل حدود المستطيل الأخضر منابر مفتوحة لبناء الوعي الإنساني، تفرض عبرها الجماهير العربية واللاعبون حقيقة المأساة المستمرة، وتدكّ جدار الصمت الدولي المضروب حول عذابات الشعب الفلسطيني. إن حضور العلم بألوانه الأربعة في المدرجات، وعلى أكتاف المشجعين، وعبر شاشات البث المباشر التي تطوف العالم، يمثل صفعةً قوية للمنظومة الدعائية الصهيونية التي استمرأت تزييف التاريخ ومحاولة عزل فلسطين عن عمقها العربي والكوني؛ ليوقن الجميع أن شروط اللعبة الأخلاقية تظل ناقصة ومشوهة ما دامت هناك أرضٌ مغتصبة، وشعبٌ يئن تحت وطأة نظام الفصل العنصري (الأبارتايد).
علاوة على ذلك، فإن هذا الاحتشاد الرياضي يضع المنظمات الدولية والقوى المهيمنة أمام مرآة ازدواجية معاييرها الفاضحة. فالمنظومات ذاتها التي سارعت الأمس بتسييس الرياضة وتوظيفها لخدمة صراعات دولية معينة، لن تملك اليوم أي مبرر قانوني أو أدبي لمنع الشعوب من إسناد أقدم قضية تحرر في العصر الحديث.
من هنا، يغدو رفع العلم الفلسطيني في المونديال واجباً قومياً يتخطى الدلالات الرمزية العابرة ليصبح فعلاً مقاوماً بامتياز؛ فعلٌ يبرهن للعالم أن مسارات التطبيع والتمويه قد تحطمت تحت أقدام الجماهير الواعية، وأن فلسطين ستظل الرمز الأكبر في كل محفل، والغاية الأسمى التي تلتقي عندها طموحات الأحرار.
ختاماً، يقف مونديال 2026 بمثابة اختبار حقيقي وعميق للضمير الجمعي العربي، وفرصة تاريخية مواتية لجهر صوت الحق وصداه في أرجاء الأرض كافة. إن التفاف ثمانية منتخبات خلف راية واحدة في هذا المعترك العالمي يتجاوز أبعاد المناسبة الرياضية، ليصبح نداءً صارخاً لتوحيد الكلمة ورص الصفوف حول القضية النبيلة التي لا تموت. فلتكن المدرجات ساحة للمقاومة الثقافية والسلمية عبر الكلمة والصورة، وليظل العلم الفلسطيني خفاقاً في كل زاوية، مذكّراً العالم بأن العروبة جسد واحد، وأن فلسطين كانت وستبقى القضية الأولى والأزلية لكل حر، حتى يسترد شعبها حريته الكاملة ويتحقق أمل العودة والسلام.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

