أحمدي نجاد على خطى طلحة والزبير
السياسية || محمد محسن الجوهري*
في يونيو 2009، وفي ظل أزمة سياسية في إيران، حذر الرئيس محمود أحمدي نجاد من الاقتداء ببعض الأسماء الكبيرة التي تغيرت مواقفها بعد أن كان لأصحابها وقفات مشرفة إلى جانب الإمام الخميني وثورته الإسلامية في البلاد، وضرب مثلاً بالصحابيين الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله، اللذين بايعا الإمام عليّاً -عليه السلام- ثم انقلبا عليه وخرجا لقتاله في معركة الجمل الشهيرة.
جاء السياق العام لحديثه متمحوراً حول فكرة أن "الماضي الحسن والشرف التاريخي لأي شخص لا يضمن صلاح آخرته ما لم يداوم على عمل الخير"، وللأسف وقع نجاد نفسه في فخ طلحة والزبير وارتد على الجمهورية الإسلامية وماضيه المشرف، وتحول هو إلى بوقٍ للغرب يروج للمبادئ المناقضة للإسلام والداعية إلى التعايش مع الصهيونية، ولا ندري ما هي الأسباب أو الدوافع، إلا أن تغيير موقفه من البيت الأبيض لا يعني انقلابه على وطنه وحسب، وإنما انقلابه على كل القيم الثورية والدينية الرافضة لاستعباد الشعوب وقمعها بداية من فلسطين.
وهذا يؤكد السنة الإنسانية الثابتة التي تحدث عنها قبل نحو عقدين من الزمن، وهي أن النفسية الصالحة قد تتغير مع الأيام إذا لم يداوم صاحبها على الأعمال الصالحة، وفي ذلك درس للأجيال حتى تخرج عن تقديس الرموز إلى تقديس الحق ومبادئه الأصيلة التي لا تتغير بتغير الأيام والمصالح، ولهذه الأسباب أنزل الله سبحانه وتعالى كتاباً لا يأتيه الباطل حتى تبقى القيم الإلهية ثابتة، ولتكن هي المعايير في حكمنا على البشر لا أن يكون البشر ومواقفهم معياراً للقياس.
وفي هذا الشأن يقول الإمام علي عليه السلام: "الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بالحق"، ومنه أيضاً قول الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود: "الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك".
وهذا يسقط أيضاً خرافة الإجماع أو الأغلبية؛ لأن الإجماع قد يكون نتاج خوف أو مصالح أو حتى تضليل إعلامي، كما نرى اليوم من إجماعٍ عالمي على حق الصهاينة المزعوم في إبادة الشعب الفلسطيني وتضافر العرب على خذلان غزة، وهذا لا يعني أن الأخيرة على ضلال لقلة الناصرين؛ لأن طريق الحق موحش لقلة السالكين، كما قال الإمام علي عليه السلام، وهو أدرى الناس بالحق في عصره.
وفي وضعنا اليمني ومسيرتنا القرآنية هنالك نماذج كنا نعتقد بعظمتها أو ربما كانت عظيمة بالفعل لكنها خانت وانقلبت على المنهج الحق الذي هو امتداد للقرآن الكريم، وهذا درس لنا بأن الثبات على المواقف تحتاج إلى تأييدٍ إلهي ولأجل ذلك ذكر الله في كتابه الكريم الكثير من أدعية الصالحين للتثبيت من الزيغ والانحراف من بعد معرفة الحق ومنها:
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة آل عمران: 8].
﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 250].
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 147].
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7].
﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: 22].
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99].
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

