حرب المستضعفين.. لعبة أطفال تقصي التقنيات الصهيونية
السياسية || محمد محسن الجوهري*
يبالغ رجال الرجال في جنوب لبنان بإذلال العدو الصهيوني وتمريغ أنفه بالتراب، والأدهى أن هذا الإذلال يتم بأبسط الوسائل وأقلها من حيث المجهود والتكلفة المالية، بينما يخسر العدو تجهيزات مكلفة جداً من دبابات وآليات وأنظمة دفاع متطورة وخسائر فادحة في الأرواح، وبات الجنوب اللبناني ثقباً أسود يمتص ثروات العدو إلى جانب كونه مستنقعاً ومقبرة لجنوده.
الإعلام الإسرائيلي يتحدث بمرارة كيف أن مسيرة حزب الله، وبتكلفتها التي تتراوح بين 300 و1000 دولار قادرة على ضرب دبابة الميركافا المتطورة والبالغ تكلفتها أكثر من 4 ملايين دولار، والمفاجأة الأكبر في منظومة الحزب أن معظم هي أدوات مدنية متاحة للجميع ويمكن شراؤها ببساطة عبر منصات التجارة الإلكترونية مثل "أمازون"، فيما اعتراض هذه المسيرة يصل إلى خمسين ألف دولار على الأقل.
والأخطر يكمن في مرونة هذه المسيّرات وسهولة تأمين مكوناتها، إذ لا توجد "نقطة ضعف" واضحة في سلسلة الإمداد الخاصة بها فالمكونات بالكامل مدنية وتُباع لأغراض تجارية عادية، بما فيها هيكل الطائرة وسلك الألياف الضوئية المتاح في متاجر الإلكترونيات، ومثل هذا التداخل المدني التجاري يظهر بوضوح أيضاً في الحرب الروسية الأوكرانية؛ حيث يتنافس الطرفان في مصانع الصين لشراء المكونات التجارية ذاتها لاستخدامها في تصنيع أسلحة يقتل بها بعضهم بعضاً وبسبب الطبيعة المدنية لهذه البضائع، لا يمكن منع بيعها أو اتهام الدول المصنعة مثل الصين ببيع السلاح.
وعلاوة على ذلك، فإن بساطة هذه القطع تتيح لحزب الله تجميعها داخل ورش ومرائب صغيرة (جراجات) متفرقة على الأراضي اللبنانية، وتنقل إلى الميدان بسهولة ويسر ما يعني غياب أي مصانع ضخمة يمكن للطيران الإسرائيلي رصدها واستهدافها، كما لا توجد خطوط إمداد عسكرية واضحة يمكن قطعها .
النقطة الجوهرية في هذا التحول هي أن منظومات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية المعقدة، والتي كبّدت ميزانيات الاحتلال مليارات الدولارات لشل حركة المسيّرات اللاسلكية، أصبحت فجأة بلا قيمة، والسبب في ذلك يعود إلى اعتماد هذه الطائرات الجديدة على التوجيه السلكي المباشر (الألياف الضوئية)، مما يجعلها محصنة تماماً ضد أجهزة التشويش الإلكتروني .
هذا الاستنزاف الاقتصادي والميداني تحول إلى طعنة نافذة في عمق "عقيدة الردع" التي طالما تفاخر بها الكيان الصهيوني وأسقطت الهالة الأسطورية لـ "الجيش الذي لا يقهر". وهذا التباين الصارخ بين جبروت الآلة العسكرية وسمو الإرادة القتالية لرجال الله في الجنوب، خلق حالة من الإحباط الوجودي والانكسار النفسي داخل صفوف جيش الاحتلال ومستوطنيه؛ إذ أدركوا أن تفوقهم التكنولوجي لم يعد قادراً على توفير الأمن لهم، وأن كل المليارات التي ضُخت في ترسانتهم العسكرية عجزت عن شراء التفوق في ميدانٍ يصنعه الإيمان والابتكار الذكي.
علاوة على ذلك، فإن هذا النمط المستحدث من القتال العبقري أعاد صياغة مفهوم "حرب العصابات الحديثة" أو ما يمكن تسميته بـ "عولمة حرب المستضعفين". فبينما يعتمد العدو على سلاسل إمداد معقدة تشترك فيها كبرى مصانع السلاح الغربية وتتطلب موافقات سياسية وميزانيات ضخمة، يدير رجال الرجال معركتهم اللوجستية بعيداً عن أعين المنظومة الاستخباراتية الدولية (السي آي إيه والموساد)، وعبر تحويل السلع الاستهلاكية اليومية المتوفرة في الأسواق العالمية إلى أدوات ردع قاتلة، الأمر الذي أصاب الدوائر الأمنية الغربية والصهيونية بالعمى الاستراتيجي؛ ويمثل معضلة مستعصية لا حل لها في الأفق القريب.
خلاصة القول إن ما يسطره رجال الرجال في جنوب لبنان هو تدشين رسمي لعصر عسكري واقتصادي جديد، تصاغ مفاهيمه وقواعده بأيدي المقاومين الذين أثبتوا أن القوة لا تقاس بضخامة الميزانيات، ولا بنوعية الطائرات النفاثة، بل بالقدرة على التكيف الذكي وإدارة التكلفة بمرونة تكسر هيبة الطغاة، وأعادت للمقاتل النبيل قيمته على الأرض أمام العدو الجبان المتخفي وراء التكنولوجيا الغربية المتغطرسة.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

