كيف فشلت الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في مواجهة إيران؟
السياسية:
بينما صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي، يوم الثلاثاء، تحت ضغط الرأي العام وتداعيات حرب ترامب الفاشلة ضد إيران، على قرار يهدف إلى تقييد صلاحيات دونالد ترامب العسكرية تجاه إيران، لا تزال الاحتجاجات على مغامرات الرئيس الأمريكي مستمرة. وكتب السيناتور الديمقراطي رافائيل وارنوك على منصة "إكس": "اتخذ مجلس الشيوخ خطوة مهمة على طريق إنهاء حرب ترامب غير القانونية ضد إيران. هذه الحرب فشلت بأبشع صورة، وسأظل مسؤولاً عن محاسبة هذا الرئيس".
تعكس المواقف الأخيرة للسناتورات الأمريكيين وتزايد حدة الانتقادات في وسائل الإعلام الأمريكية أنه، خلافاً للتصور الأولي للبيت الأبيض، لم يفشل دخول واشنطن الحرب بتحقيق مكاسب استراتيجية واضحة لأمريكا فحسب، بل تحول بسرعة إلى واحدة من أهم الأزمات السياسية الداخلية لحكومة ترامب. إن ما يُرى الآن في الفضاء السياسي الأمريكي ليس مجرد خلاف حزبي بين الجمهوريين والديمقراطيين، بل هو انعكاس لقلق عميق لدى جزء من الهيكل السياسي الأمريكي من تورط البلاد مرة أخرى في حرب استنزاف مكلفة في غرب آسيا؛ وهي حرب قد تلقي بظلالها لسنوات على الاقتصاد والأمن والمكانة العالمية لأمريكا.
عند بداية هذا الصراع، حاول ترامب تقديم الهجمات العسكرية على إيران على أنها عرض للقوة وعودة "للردع الأمريكي". هو ودائرته المقربة تصوروا أن الضغط العسكري الثقيل يمكن أن يدفع إيران إلى التراجع، ويعزز في الوقت نفسه المكانة الداخلية للرئيس الأمريكي. لكن مسار الأحداث أظهر أن حسابات البيت الأبيض كانت بعيدة كل البعد عن حقائق الميدان. فلم تفشل بتحقيق الأهداف المعلنة لأمريكا فحسب، بل أدى انعدام الأمن في المنطقة، وارتفاع التكاليف الاقتصادية، وتهديد المصالح الأمريكية، وقلق حلفاء واشنطن، إلى تشكل رأي عام داخلي في أمريكا ضد استمرار الحرب تدريجياً.
لم ينسَ الرأي العام الأمريكي بعد ذكريات حربي العراق وأفغانستان المكلفتين؛ وهما حربان كلفتا واشنطن آلاف المليارات من الدولارات، ولم تحققا في النهاية مكاسب واضحة لأمريكا. الآن، يخشى العديد من السياسيين الأمريكيين من أن يقود ترامب الولايات المتحدة مرة أخرى إلى مسار لا تعرف نهايته، وتكون تكاليفه باهظة جداً. ولهذا السبب، حتى جزء من التيارات السياسية داخل أمريكا التي كانت تدعم في الماضي سياسة الضغط على إيران، تحذر اليوم من استمرار الحرب.
القضية المهمة الأخرى هي التداعيات الاقتصادية للحرب على أمريكا. كان تصاعد التوتر في غرب آسيا دائماً أحد عوامل زعزعة الاستقرار في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وبالتزامن مع توسع رقعة الاشتباكات، ازدادت المخاوف بشأن ارتفاع أسعار النفط، واضطراب التجارة العالمية، وزيادة الضغط على الاقتصاد الأمريكي. هذه القضية، خاصة في ظل معاناة الاقتصاد الأمريكي من مشاكل مثل التضخم، والديون الثقيلة، وعدم الرضا الاجتماعي، تحولت إلى تهديد سياسي جدي لترامب. يعتقد العديد من المحللين الأمريكيين أن استمرار الحرب قد يزيد الضغط الاقتصادي على المواطنين الأمريكيين، ويؤدي إلى انخفاض شعبية الرئيس.
من ناحية أخرى، يخشى جزء من النخب السياسية والأمنية الأمريكية من أن استمرار الصراع مع إيران قد يجر واشنطن إلى أزمة أوسع على المستوى الإقليمي. لقد أظهرت إيران على مدى السنوات الماضية قدرتها على إدارة حروب الاستنزاف والرد غير المتماثل، وأي صراع طويل الأمد يمكن أن يوسع نطاق انعدام الأمن في المنطقة بأسرها. هذه القضية بالذات جعلت العديد من المسؤولين الأمريكيين السابقين يحذرون من العواقب غير المتوقعة لهذه الحرب. فهم يعتقدون أن بدء الحرب قد يكون سهلاً، لكن إنهاءها سيكون صعباً للغاية.
وفي غضون ذلك، فإن إقرار قرار مجلس الشيوخ بتقييد صلاحيات ترامب الحربية، هو قبل كل شيء علامة على اتساع الشقاق داخل البنية السياسية الأمريكية. يحاول السيناتورات المعارضون لترامب إيصال رسالة مفادها أن رئيس الولايات المتحدة لا يمكنه إدخال البلاد في حرب كبرى دون إشراف وموافقة الهيئات القانونية. هذا يشير إلى أن القلق من قرارات ترامب غير المتوقعة قد زاد حتى داخل الحكم الأمريكي نفسه. يعتقد العديد من النقاد أن الرئيس الأمريكي، بنهجه العاطفي والشخصي، قام بمقامرة خطيرة على الأمن القومي لبلاده.
في الوقت نفسه، بدأت وسائل الإعلام الأمريكية تدريجياً في تبني نبرة أكثر انتقاداً تجاه الحرب. ففي الأسابيع الأخيرة، نُشرت تقارير وتحليلات متعددة حول تكاليف الحرب، وعجز أمريكا عن تحقيق أهدافها، واحتمال اتساع رقعة الأزمة. حتى أن بعض وسائل الإعلام المقربة من الجمهوريين أعربت عن قلقها إزاء استمرار هذا المسار. وهذا التحول في الأجواء الإعلامية يُظهر أن الحرب، خلافاً لتوقعات ترامب، لم تنجح في خلق الإجماع السياسي والاجتماعي اللازم في أمريكا.
واللافت أن جزءاً من القلق في واشنطن يعود إلى المكانة الدولية لأمريكا. يعتقد العديد من المحللين الأمريكيين أن الدخول في حرب جديدة في غرب آسيا في وقت تواجه فيه أمريكا منافسة شديدة مع كل من الصين وروسيا، يمكن أن يعطل التركيز الاستراتيجي لواشنطن. فمن وجهة نظرهم، فإن التورط في أزمة طويلة في المنطقة لا يستنزف قدرات أمريكا فحسب، بل يمنح منافسيها الدوليين فرصة أكبر لزيادة نفوذهم.
في الواقع، ما يُلاحظ اليوم في أمريكا هو نوع من الخوف المتزايد من تكرار الأخطاء الاستراتيجية للماضي. لا تزال تجربتا العراق وأفغانستان رمزاً لفشل سياسات التدخل الأمريكي في أذهان المجتمع والنخب السياسية في هذا البلد، والآن يخشى الكثيرون من أن تتحول الحرب مع إيران إلى أزمة أكثر تعقيداً. فإيران، على عكس بعض دول المنطقة، تمتلك قدرات سياسية وأمنية وإقليمية واسعة، وهذا الأمر يجعل أي صراع معها مكلفاً وغير قابل للتنبؤ بالنسبة لأمريكا.
يجد ترامب نفسه الآن أمام أحد أصعب التحديات في مسيرته السياسية. فهو من ناحية يحاول الحفاظ على صورة الرئيس القوي والحازم، ومن ناحية أخرى يواجه موجة متصاعدة من الانتقادات الداخلية، والمخاوف الاقتصادية، والمعارضات السياسية. فاستمرار الحرب يمكن أن يزيد الضغوط عليه، بل ويُعرّض موقعه السياسي داخل أمريكا لخطر جدي. ولهذا السبب، يعتقد العديد من المحللين أن البيت الأبيض سيضطر في الأيام المقبلة إلى الاختيار بين الاستمرار في المغامرة العسكرية وقبول حقائق السياسة الداخلية الأمريكية.
* المادة نقلت حرفيا من موقع وكالة مهر للأنباء

