طبيعة الصراع حسب الرؤية الإلهية في القرآن الكريم
السياسية || محمد محسن الجوهري*
الصراع في هذه الحياة هو صراع ديني محض بين معسكرين رئيسيين، أحدهما يستمد شرعيته بالقوة والسطوة وفرض سياسة الأمر الواقع، والآخر يستند إلى الرؤية الإلهية للوجود، وبين الطرفين ثمة الكثير من الجماعات والفرق الضائعة التي تاهت بفعل الأهواء والعقائد المتنافرة التي هي من فعل معسكر الباطل، والتعريف بهذا التقسيم ورد في أهم سورة من القرآن الكريم وهي سورة الفاتحة، وهي التي تؤكد لنا حقيقة الوجود وتكشف لنا طبيعة الصراع وحتى كيفية النجاة من السقوط في المستنقع الشيطاني.
وفي هذه العصر، يتمثل الباطل في المعسكر الصهيوني بقيادة واشنطن وتل أبيب، فهم يستندون إلى حق القوة التي اكتسبوها بفعل الأحقاد وثقافة الكراهية والوصول إلى السلطة والمال بالطرق غير الشرعية كالربى والابتزاز المادي، وغير ذلك من الأساليب التي مكنتهم من رقاب الناس في الغرب قبل أن يتوجهوا من هناك إلى استعباد العالم وتغيير مفاهيمه وثقافاته بما يخدم مصالحهم ومشاريعهم غير النزيهة.
ولو تأملنا التاريخ المعاصر، أي خلال القرون الخمسة الأخيرة، والتي أحكم فيها الغرب سيطرته على البشرية، لرأينا حجم الكارثة الإنسانية التي تسبب بها الغرب الكافر، وأولها إبادة السكان الأصليين في الأمريكيتين وأستراليا، واستعباد السود في أفريقيا، ثم استعمار المناطق الأخرى من العالم ونهب ثرواتها مروراً بالحربين العالميتين اللتين شهدتا أبشع إبادة إنسانية على الإطلاق يوم استخدمت واشنطن السلاح النووي لضرب الشعب الياباني، وانتهاءً باحتلال فلسطين وتشريد شعبها واستزراع أقوام آخرين على أرضها مستندين في ذلك إلى نصوصٍ دينية ما أنزل الله بها من سلطان.
أمام كل ذلك لا بد من مشروعٍ مضاد حتى ينهي معاناة البشرية، فالله سبحانه وتعالى لا يترك عباده هملاً بلا وسائل دفاعية، ويكفي أنه أنزل إليهم كتاباً يكشف كل الحقائق ومنها طبيعة معسكر الباطل ومن هم أهل وكيف ينبغي مواجهتهم، وحذر بأن أشد ما يمتلكونه من أسلحة تتمثل في قدرتهم على حرف المفاهيم ولبس الحق بالباطل، أي أنهم بارعون فقط في السلاح الإعلامي وضرب الآخرين عبر سياسة التفريق والاقتتال الداخلي.
أي أن البشر فقط محتاجون للوعي بطبيعة الصراع والاعتماد على الرؤية الإلهية في التفريق بين الحق والباطل وتفعيل سلاح المشاعر التي يفعلها العدو ضدهم، فالله سبحانه وتعالى حرم علينا مودة أهل الباطل وأوجب علينا بغضهم حتى لا نتأثر بدعايتهم المضلة ولنكون قوة أخلاقية قادرة على حماية نفسها وإنقاذ البشرية من براثن المعسكر الشيطاني.
وفي إطار الحق، ومن بعد المعاداة لأهل الباطل بقيادة الصهاينة، علينا أن نتوحد في المعسكر المضاد، فالتدين الفردي لا يكفي لإنهاء الصراع ولا بد من الوحدة الدينية والإعداد بكل وسائل القوة لردع الأعادي ومنع هيمنتهم على البشرية، وخلال ذلك كله يجب الحذر من كل حروبهم الإعلامية التي هي رأس الحربة في معركتهم ضدنا.
والدعوة إلى الوحدة الدينية لا تعني القبول بعملاء الصهاينة، لأن التوصيف الإلهي لهؤلاء العملاء يجعل منهم شركاء للعدو وإخوة له، والتعامل معهم مبني على علاقتهم بمعسكر الباطل، وأي تولي بينهم فهو ردة معلنة عن الإسلام، وقد كشفت الوقائع كيف أن المطبعين لا يكتفون بالحياد عن نصرة المستضعفين، وإنما يسارعون في الاصطفاف إلى جانب أهل الباطل والقتال إلى جانبهم من الداخل الإسلامي، ولهذا وصفهم الله بالمنافقين واعتبرهم وأهل الكتاب إخوة وبعضهم من بعض.
ومهما تكن الحيثيات وعوامل القوة لأهل الباطل إلا أن الحق منتصر مهما كانت الظروف التضحيات، وهذا وعد إلهي والتصديق به شرط للإيمان، ولم يتبق لنا في هذا العصر إلا أن نعمل إلى جانب الحق كما يعمل معسكر الشيطان لنصرة الباطل، وعندئذٍ سنضمن النصر الإلهي الموعود، وبشائر وحدة الساحات تنذر بالهلاك القريب للعدو، تماماً كما ورد في سورة الإسراء وسورة الحشر.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

