العبث مع إيران مكلف
السياسية || محمد محسن الجوهري*
العلاقة بين الجمهورية الإسلامية وبين خصومها في دول الخليج أشبه بخصومة الأحرار مع العبيد، فالحر إذا غضب أوجع أما العبد فلا يتمادى إلا إذا أمن العقوبة وهذا بالضبط ما فعلته دول الخليج ضد إيران من بعد قيام الثورة الإسلامية وهي الثورة التي حملت معها رياح الحرية والتغيير لدول الخليج لو أنها أرادت الانعتاق من قبضة الشاه محمد رضا بهلوي، الذي مارس الوصاية والإذلال بحقها وكان في سقوطه فرج كبير وفرصة حتى للتطوير والعمران والرفاه الاقتصادي الذي كان يرفضه الشاه بشدة باعتبار الخليج بضفتيه منطقة نفوذ إيرانية.
اليوم، وبعد نحو خمسة عقود من تطاول الصغار على الجمهورية الإسلامية، حان وقت التأديب، وها هي الأنظمة العميلة تدفع الثمن بصمت ومرارة، فهي تعلم أنها تمادت على إيران دونما عذر ولا مبرر، وأنها ستدفع ثمن التمادي الذي انتهى بالتطبيع وخيانة الأمة وقضيتها المركزية، وكما كانت بداية الرفاهية من إيران فإن نهايتها أيضاً على يد إيران، والتي نجحت في توجيه ضربات موجعة للأنظمة الخليجية وجعلت منها منطقة عسكرية مأزومة مثلها مثل اليمن والسودان وسورية، وكما تدين ُتدين خارج أرض تُدان عليها.
آخر إجراءات طهرن العادلة هي تعديل خريطة النفوذ في مضيق هرمز لتشمل مناطق قريبة جداً من المياه الإماراتية، وتحديداً من "جبل مبارك" في إيران حتى جنوب ميناء "الفجيرة"، ومن جزيرة "قشم" حتى "أم القيوين، ما يمثل تهديداً مباشراً لميناء الفجيرة، الذي أنشأته الإمارات بتكلفة ملايين الدولارات ليكون منفذاً خلفياً لتصدير النفط عبر بحر عمان وتفادي القيود الجغرافية لمضيق هرمز.
ونتيجة للردع الإيراني، كشفت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية عن رصد موجة نزوح واسعة شملت هروب آلاف الأثرياء، والمستثمرين، ورجال الأعمال من دبي. وجاءت هذه الهجرة الجماعية المفاجئة في أعقاب أحداث 18 مايو، إثر وصول طائرات مسيرة واقترابها من منشأة الطاقة النووية الوحيدة في البلاد (محطة براكة)، مما أثار مخاوف أمنية عميقة لدى هذه الفئات التي شعرت بأن نيران الحرب والمسيرات والصواريخ لم تعد بعيدة عن مقار إقامتهم وفنادقهم الفارهة.
تلقي هذه التطورات بظلالها الثقيلة على التداعيات الاقتصادية والاستراتيجية لدولة الإمارات، وتتجلى الخطورة الكبرى في "اهتزاز ثقة المستثمرين"؛ فالإمارات لا تعتمد على قاعدة صناعية ضخمة، بل إن عمودها الفقري ونموذجها الاقتصادي قائم على فكرة "الواحة الأمنية المحايدة والمحطة التجارية العالمية" التي تدير الموانئ، وحاويات الشحن، وخدمات إعادة التصدير. ومع فرض واقع أمني بحري وعسكري جديد في منطقة الخليج، تواجه الإمارات تهديداً مباشراً لسمعتها التجارية، مما يرفع كلف التأمين البحري على السفن وناقلات النفط، وبالتالي انهيار المعادلة الاقتصادية التي بنيت عليها سمعة الدولة طوال العقود الماضية.
كل تلك الخسائر هي غيض من فيض الضربات الإيرانية الموجعة للإمارات، وكان بإمكان الأخيرة تفادي كل ذلك لو أنها انتهجت نهجاً دبلوماسيا ً وسلمياً مع جارتها الكبرى، إلا أنها اختارت الاندفاع المتسارع نحو تعميق التحالف الاستراتيجي مع الكيان الصهيوني الذي لا يقبل بالعلاقات الندية وإنما يدفع حلفائه إلى مجازفات سياسية غير محسوبة العواقب؛ فالانخراط في مثل هذه الاصطفافات الإقليمية الحادة أقحم أبوظبي في معادلة مواجهة مباشرة وغير مباشرة مع إيران، وجعلها هدفاً مستباحاً في صراع يتجاوز قدرتها على تدوير زواياه.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

