من صالح إلى مبارك.. لماذا تنتهي أموال الطغاة في البنوك الغربية؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
النموذج اليمني عن تأثير الديون على السياسة يشرح الكثير عن وسائل الهيمنة الغربية على توجهاتنا القومية، وكيف أن الطغاة يخضعون شعوبهم للعبودية من أجل مصالحهم الشخصية وفي الأخير يخسرون كل شيء، بداية من الوطن ثم السلطة وحتى أرصدتهم البنكية في الخارج.
ظل علي عبدالله صالح زعيماً لليمن بفضل الدعم الغربي لسلطته ولدوره في مقارعة الاشتراكيين وخدمة المشروع الصهيوني بفضل تبعيته المطلقة للنظام السعودي، الوصي على اليمن منذ منتصف الستينيات، وخلال فترة حكمه مارس صالح الفساد بكل أشكاله وجعل من البلاد وسيادتها وثرواتها مجرد وسيلة للإثراء والكسب غير المشروع له ولأفراد أسرته والمقربين منه.
وكانت ثرواته تذهب في الأغلب إلى بنوكٍ غربية معروفة بتسترها على أموال الطغاة وعدم الكشف عن هوية أصحابها، إلا أن الوضع تغير فجأةً بعد خروجه من السلطة وقد وجدت واشنطن أكثر من مبرر لتجميد أموال صالح وتحويلها إلى أرصدة في حسابات تخدم الصهيونية العالمية، ولم يكن الأمر لابتزازه وجره إلى معسكر العدوان وتفجير الوضع في صنعاء فحسب، بل لأن هذه هي سياسة غربية تمارسها الصهيونية منذ زمن وترى في الأنظمة المستبدة مصدراً لقمع الشعوب ومصادرة أموالها.
وما حدث لعفاش تكرر مع سائر الطغاة في المنطقة، ومنهم الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، فقد تعرض هو وأفراد أسرته لإجراءات مماثلة على مرحلتين، الأولى بعد غزو الكويت والأخرى بعد سقوط نظامه، وفي الحالتين تحدث الإعلام الغربي عن مصادرة أموال صدام حسين وجرى تحويلها إلى الفيدرالي الأمريكي وليس للحكومة العراقية التي أُنشئت بعد الغزو.
وما حدث لصدام حدث من قبله لشاه إيران محمد رضا بهلوي ولدكتاتور الفلبين فرديناند ماركوس، ثم توالت الأخبار تباعاً عن مصادرة أموال الحكام العرب الذين سقطوا بفعل ثورات الربيع العربي ومنهم رئيس اليمن صالح، وكذلك أرصدة زين العابدين بن علي وحسني مبارك، رغم أن الأخيرين كانا من المقربين للمشروع الصهيوني.
المفارقة أن نسبة كبيرة من تلك الأموال هي في الأصل ديون من حكومات وجهات غربية، أي أن الأموال عادت إلى مصدرها مع الأرباح، وفي نفس الوقت لا تزال مسجلة على شعوبهم وتهدد مستقبل الأجيال القادمة كما تعتبر وسيلة ضغط سياسية يتم تفعيلها حسب الحاجة، ولذلك كثيراً ما نسمع عن شطب الديون لدولةٍ ما مقابل تعاونها الاستخباراتي والسياسي مع واشنطن وتل أبيب.
والحديث عن "شطب الديون" كان مجرد أمل أو ذريعة يستغلها الحكام لتبرير سياستهم العميلة من جهة، ومضاعفة أرصدتهم في الخارج من جهةٍ أخرى، ولعل مصر أبرز الخاسرين في هذا المجال، فديونها لا تزال تتراكم سنوياً رغم أنها طوعت سياساتها الداخلية والخارجية بالكامل لخدمة العدو الصهيوني منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد سنة 1978 وحتى اليوم.
وللبروفيسور الروسي الشهير فالنتين كاتاسانوف مؤلفات ومحاضرات تشرح طبيعة التعامل الغربي مع ديون الدول النامية وكيف أنها آلية خفية ومدروسة لإبقاء دول العالم الثالث خاضعة سياسياً عبر منظومة القروض؛ فالأموال التي يقدمها الغرب كـ "قروض ومساعدات" لا تدخل في تنمية تلك الدول، وإنما تعود فوراً إلى حسابات الشركات متعددة الجنسيات والبنوك الغربية.
وتتكامل هذه الدورة الماليّة حين تقوم النخب المحلية الحاكمة (المدعومة غربياً) بنهب جزء كبير من هذه الأموال وإعادة إيداعها في المصارف الغربية، بينما يُخصّص جزء آخر لشراء أسلحة بأسعار مرتفعة من الشركات الغربية نفسها، أو يذهب كمدفوعات مقابل "خدمات استشارية غامضة". وفي نهاية المطاف، لا يتبقى في الدول النامية إلا عبء الديون، لتجد بعض الدول نفسها تنفق ما يصل إلى 90% من ميزانيتها السنوية فقط لخدمة وتسيير هذه الديون المتراكمة، وتقديم التنازلات تلو الأخرى على أمل شطبها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

