الحقيقة الكاملة والأدلة القاطعة في إمامة أمير المؤمنين علي عليه السلام
طوفان الجنيد*
أعرني سمعَك وعقلك، أخي القارئ، دعني أتحاورْ معك.
هل تساءلتَ يومًا، عزيزي القارئ، عن السر الذي يجعل ملايين المسلمين يحتفلون بيوم هو عند بعض الفرق الإسلامية مُجَـرّد يوم عادي؟
أتدري أن هذا اليوم، الثامن عشر من ذي الحجّـة، هو في حقيقته صرخة مدوية في وجه النسيان، وتذكير بواقعة عظيمة خطّها نبي الإسلام بيديه الشريفتين؟ اليوم الذي قال فيه رسول الله ﷺ في جمعٍ غفير، في حر الظهيرة، تلك العبارة الخالدة: «من كنت مولاه فعلي مولاه».
في هذا الحوار، لن أتركك وشأنَك مع الغموض.
سنغوص معًا في عمق هذه الواقعة، نحلّل كُـلّ كلمة، ونفضح كُـلّ شبهة، ونبرهن بالعقل والنقل على أن هذا اليومَ هو تتويجٌ لرسالة الإسلام وإكمال لنعمة الله على هذه الأُمَّــة.
تخيِّلْ معي المشهدَ لتدرك لماذا كُـلّ هذه الأهميّة، وماذا جرى في ذلك اليوم بالتحديد؛ عودة الحشود العظيمة من حجّـة الوداع، والذي بلغ عددها أكثر من مئة ألف حاج، يتفرقون في كُـلّ طريق.
في تلك الأثناء، يتوقف الموكبُ النبوي في أرض قاحلة تُدعى «غدير خم».
أليس غريبًا أن يتوقَّفَ النبي ﷺ في هذه البقعة الحارّة ليُلقي خطبةً طويلة؟
لكن القصة أعظم من ذلك بكثير، فقبل الوصول إلى هذا المكان، نزلت على النبي ﷺ آيةٌ خطيرة حسمت الموقف، وحملت أمرًا حازمًا لا يحتمل التأجيل، وهي آية البلاغ: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَـمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.
هذه الآية لم تنزل في أمر عابر، كانت إنذارًا إلهيًّا شديد اللهجة، وكأن الله يقول لنبيه: «إن لم تُبلّغ هذا الأمر العظيم الآن، فكأنك ما بلّغت رسالتي من الأَسَاس»، وهذه هي القرينة الأولى على عظمة ما سيُعلن عنه.
وأمام هذا التوجيه الصارم، يقف النبي ﷺ على منبر من أقتاب الإبل، ويبدأ خطبته التي تختصر كُـلّ شيء، قائلًا: «أَلَسْتُ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهِمْ؟»، فأجاب الحشد بصوت واحد: «بلى يا رسول الله!».
وعندها رفع يد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام- عاليًا حتى بدت غُرَّة إبطيه، وأكمل جملته العظيمة: «فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ».
هنا، يا عزيزي، قد يتبادر إلى ذهنك سؤال مهم يقف بنا بين الحقيقة والإنكار: لماذا يُعتبر هذا الحديث قاطعًا في إمامة علي؟
أليس من الممكن أن يكون هذا الحديث مُجَـرّد مدح للإمام علي -سلام الله عليه وكرم الله وجهه- أَو حث على محبته فقط؟
هنا يسكُتُ الحشد لبرهة، وكأن السؤال الذي طرحته أنت الآن هو ذاته الذي جال في عقول بعض الحاضرين حينها، ودعنا نلتقطُ أنفاسنا معًا، ونفكّك هذا السؤال بوعي وموضوعية، بعيدًا عن العاطفة الجافة أَو التعصب الأعمى.
فإذا كان الهدف مُجَـرّد حثٍّ على المحبة والقرابة، فهل يستقيم هذا التفسير البسيط مع تلك المقدمات المهيبة التي سبقت الإعلان؟
تعلّم معي كيف نقرأ الأحداث بعين المحقّق المحترِف من خلال قرائن الأحوال؛ إذ كيف يُعقل كُـلّ هذا الجهد لأجل معنىً بديهي "محبة علي ومناصرته"؟!
تخيَّلْ أن قائدًا عظيمًا، بل أعظم قائد في تاريخ البشرية، يقطعُ مسيرَ جيش قوامه مئة ألف أَو يزيدون، في بُقعة جغرافية لاهبة كـ«غدير خم»، في وقت الظهيرة،
حَيثُ يضع الرجلُ رداءَه تحت قدميه من شدة رمضاء الصحراء، ثم يأمر بردّ من تقدم وانتظار من تأخر،
فهل كُـلّ هذه المشقة الإجرائية جاءت لكي يقول للناس فقط: «أحبّوا عليًّا»؟
إن وجوب محبة علي بن أبي طالب ونصرته كان أمرًا مستقرًّا في وجدان المسلمين بنصوص القرآن الصريحة والآيات الدالة التي نزلت في المدينة قبل حجّـة الوداع بسنوات، كآية المودة في القربى: {قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى}.
بالتالي، فإن جمع هذه الألوف المؤلفة في تلك الظروف الاستثنائية لم يكن لإقرار أمرٍ مفرغ منه أَو معلوم من الدين بالضرورة، فقد
كان لبيان أمرٍ تأسيسي جديد، وتشريعٍ إلهي يتوقف عليه مستقبل الأُمَّــة ومصيرها بعد غياب نبيها ﷺ.
تفكيك دلالة اللفظ: ماذا تعني «المولى»؟
إن المحقّقَ اللُّغوي والمنصِفَ لا يمكنه عزل كلمة «المولى» عن السياق -القرينة الملازمة للحدث- الذي وردت فيه.
يجادل البعضُ بأن «المولى» في اللغة تأتي بمعنى المحب أَو الناصر، وهذا صحيح في بعض وجوه اللغة، لكن الخروج باللفظ إلى هذا المعنى هنا يسقطه الترتيب النبوي المحكم.
قبل أن ينطق النبي ﷺ بجملته الشهيرة، قدّم لها بمقدمة استجوابية أخذ فيها الإقرارَ من الأُمَّــة:
«أَلَسْتُ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهِمْ؟»
هذا الاستشهاد النبوي مستوحى مباشرة من الآية القرآنية: {النَّبِيُّ أولى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنفسهِمْ}.
والأولوية هنا تعني الطاعة المطلقة، والولاية العامة في إدارة شؤون الدين والدنيا، وحق التدبير والتصرف.
وحين أجاب الجمع بـ«بلى»، عطف النبي ﷺ بالقول: «فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ».
حرف الفاء هنا تفريعي؛ أي: «بما أنني أولى بكم من أنفسكم، فإن عليًّا أولى بكم من أنفسكم كذلك».
إذن.. المولى في هذا السياق لا يمكن أن يحملَ إلا معنى الأولى بالتدبير والإمامة والخلافة، وإلا بطلت بلاغة الخطاب النبوي، وحاشاه ﷺ من ذلك.
تتويج الرسالة: نزول آية الإكمال
لم تنتهِ الحادثة عند رفع الأيادي وتبيان المقامات، بل تُوِّجت بحدث غيبي قطع الشك باليقين.
فبمُجَـرّد أن أنهى النبي ﷺ خطبته ونزل من المنبر، نزلت عليه آية من أواخر ما نزل من القرآن الكريم، وهي آية إكمال الدين:
{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسلام دِينًا}.
إن ربط إكمال الدين وإتمام النعمة بهذا اليوم بالتحديد يعطينا الدليل الوجداني والعقلي الأكبر.
فهل يكتمل الدين بمُجَـرّد التأكيد على محبة شخص؟ أم أن الدين يكتمل بوضع الركيزة الأَسَاسية لاستمرار الرسالة وحفظ الشريعة من الانحراف بعد انقطاع الوحي؟
إنها الإمامة والقيادة الحكيمة المتمثلة في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -سلام الله عليه وكرم الله وجهه- والتي أمّنت للأُمَّـة مرجعيتها المعصومة.
تواتر الحديث من طرق الفريقين
من الشبهات الواهية التي يحاولُ البعضُ التمسكَ بها إضعاف سند الحديث، ولكن أمام شمس الحقيقة تذوب كُـلّ هذه المحاولات.
حديث الغدير ليس حديثَ آحاد، هو من أعلى منازل التواتر في تاريخ الإسلام، حَيثُ رواه من الصحابة أكثرُ من مئة وعشرة صحابيين، ومن التابعين نحو أربعة وثمانين، ونقله أصحاب الصحاح والمسانيد من مختلف المدارس الإسلامية بأسانيد صحيحة لا تقبل التشكيك.
وقد سارع كبار الصحابة بعد الخطبة مباشرة إلى تهنئة أمير المؤمنين، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب وأبو بكر الصديق، حَيثُ قالا له العبارة الشهيرة التي حفظها التاريخ:
«بخٍ بخٍ لك يا ابن أبي طالب، أصبحت وأمسيت مولاي ومولى كُـلّ مؤمن ومؤمنة».
ختامًا: صيانة العهد
اعلم، أخي القارئ، أن يوم الغدير هو «يوم العهد المعهود» والميثاق المأخوذ.
إنه المحطة الشاهدة على أن الرسالة المحمدية لم تُترك هملًا بلا راعٍ أَو دليل، فقد جُعل لها امتدادٌ رباني يقود سفينتها في أمواج الفتن.
الوقوف في الغدير هو وقوف مع الحق، وقراءة واعية لخطاب الوداع الذي رسم معالم الطريق للأُمَّـة حتى لا تضل، وكما قال المصطفى ﷺ في ذات السياق: «إني تاركٌ فيكم الثقلين: كتابَ الله، وعترتي أهلَ بيتي».
فالحقيقة كاملة جلية، لا يغيبُها إنكار، ولا يطمس معالمها نسيان.
اللهم فاشهد، وأنت خيرُ الشاهدين، أننا نتولاك، ونتولى رسولَك ونبيَّك محمدًا -صلوات الله عليه وآله-، ونتولى إمامَنا ومولانا أمير المؤمنين وبعسوبَ الدين علي بن أبي طالب -سلام الله عليه وكرم الله وجهه-، ونتولى أعلام الهدى من آل بيت نبيك المصطفى -صلوات الله عليه وآله-، ومنهم سيدنا ومولانا وقائدنا علم الهدى عبدالملك بدر الدين الحوثي -سلام الله عليه، وحفظه الله بحفظه، وأيّده بنصره- ونحن على ذلك إلى يوم الدين.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

