بصيرة الولاية والنصر الإستراتيجي في مواجهة طواغيت العصر
عدنان عبدالله الجنيد*
يوم الغدير والولاية الإلهية كصمام أمان للأمة:
كانت ذكرى يوم الغدير ولا تزال تذكيراً للأمة بأساس الولاية الإلهية الذي جعله الله صمام أمان للأمة في نطاق استخلافها لحمل الدين.
يمثّل عيد الغدير الأغر (يوم الولاية الكبرى) ذروة الإعلان الإلهي في إطار حكمة الله وتدبيره لشؤون خلقه، وفي إطار تدبيره لحفظ دينه باختتام النبوة والوحي بإرسال خاتم المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، وإنزال القرآن الكريم ككتاب مهيمن على كل الكتب السماوية السابقة.
لقد كانت حكمة الله في اكتمال مشروع الهداية، وإعلان تمام النعمة على الأمة؛ حينها أُسست قواعد الدين ليس على أنها مجرد تشريعٍ نظري، بل على أساس منظومة متكاملة في التوجهات العملية لبناء الأمة ونظام حماية إلهية محكم. وتجلت الحكمة الإلهية في تدبير أمر القيادة التي تعتبر هي المحور لتحصين الأمة من التفكك والضياع، وخاصة لضمان تكامل الأدوار بين مبدأ النبوة والولاية، واستنهاض المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق الأمة في حمل الدين.
فكان يوم الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة هو اليوم الرسالي بين مبدأ النبوة والولاية، ويومها بعد نزول الأمر الإلهي وفي قفار خُم بعد قضاء مناسك حجة الوداع، وقف الرسول الأكرم ﷺ خطيباً صادعاً بالأمر الإلهي القاطع في آية التبليغ:
﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67].
إن حجم التهديد في الآية يكشف أن القضية شرط جوهري لتمام الرسالة؛ حيث رفع النبي يد وصيه، حيدرة الكرار الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، منادياً بصوت جهوري: «من كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله».
إن الغدير ليس طقساً ماضوياً تحجّر في أروقة الزمن يُبكى فيه على الأطلال، بل خارطة طريق إلهية تربط قرار الأمة السياسي والاجتماعي والاقتصادي بمرجعية الله، وتمنع سقوطها تحت ولاية الطاغوت؛ وعندما أصرت الأمة على ترك هذا الباب حدث الانحراف التاريخي الكبير وتفسخت عرى التضامن ودبّ الفشل كما حذر القرآن: : ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
المحور الأول: المرجعية القرآنية والنبوية لولاية الإمام علي عليه السلام
1- الامتداد الإلهي في القرآن الكريم
يؤسس القرآن لمفهوم الولاية كمسارٍ متكامل لا يقبل التجزئة أو التعدد المستقل، بل هي ولاية واحدة ممتدة، في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55].
وقد أجمع المفسرون على نزولها في الإمام علي عليه السلام حين تصدق بخاتمه وهو راكع في صلاته، فهو "صالح المؤمنين"، وبموجب ذلك فإن ولايته ليست أمراً اختيارياً بل امتداد لولاية الله ورسوله، وضمانة حماية الأمة من الانحراف والتيه والارتهان، وبدونها يبقى الدين ناقصاً عاجزاً عن مواجهة العواصف.
2- الهوية الحقيقية في السنة النبوية، حيث صدع في يوم الغدير بالبلاغ الصريح حاسماً ملامح القيادة للأمة بقوله: «مَن كُنتُ مَوْلاهُ فَهذا عَليٌّ مَوْلاهُ»، ضاماً إليها دعاءه المبروك بالمدد والتمكين الرباني لجبهة الحق: «وَأنصُر مَن نَصَرَه».
وتكاملت هذه المعالم في نصوص متواترة وفق التسلسل التالي:
أ- المرجعية المعرفية: «أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأتِ الباب»، فكيف لأمةٍ أُمرت أن تدخل البيوت من أبوابها أن تقتحم الجدار؟
ب- وحدة المنهج والموقف: «علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض»، و«علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيثما دار».
ج- الامتداد القيادي الرسالي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، و«علي مني وأنا من علي».
د- سفينة العِصمة: «إنما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى».
المحور الثاني: صفات الإمام علي والامتداد الزمني للولاية عبر أعلام الهدى:
1- النموذج الأكمل للقيادة الربانية
لم يكن الاختيار الإلهي لعلي بن أبي طالب عبثاً، بل لصفات كمالية فريدة؛ فهو صاحب اليقين المطلق الذي قال: «ما شككت في الحق منذ أريته»، وهو الزاهد الورع القائل: «والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها».
وهو الشجاع البصير الذي قال: «إني والله لو لقيتهم واحداً وهم طلاع الأرض كلها ما باليت ولا استوحشت»، فجمع بين الشدة على الكفار والرحمة بالمؤمنين كأكمل نموذج للإمامة.
2- استمرارية الخط الولائي في الواقع المعاصر
إن مبدأ الولاية الإلهية ليس محصوراً في عصر تاريخي مضى، بل هو مبدأ مستمر إلى قيام الساعة يتجسد في أعلام الهدى من العترة الطاهرة الذين يحملون راية الحق جيلاً بعد جيل لإخراج الأمة من ورطتها وتصحيح مرجعيتها القيادية.
ويتجسّد هذا الامتداد اليوم في شخصية قائد المسيرة القرآنية، السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، الذي يجسد في إيمانه، وشجاعته، ومواقفه، وعلمه، وتقواه صفات المدرسة القرآنية، ويمثل الحصن العقائدي الحي الذي يحمي الأمة من الانحراف والتيه في ظلمات الفتن والشبهات، ويصونها من سلب هويتها الإسلامية.
المحور الثالث: من خيبر إلى الحاضر – الصراع الواحد بأدوات مختلفة:
1- خيبر: لحظة كسر الغطرسة والتبجح اليهودي
منذ أشرق نور الإسلام، كان الصراع وجودياً بين مشروع السماء الحريص على تحرير الإنسان، ومشاريع الطغيان المعادي.
وفي قلب هذا الصراع برز الإمام علي عليه السلام بوصفه السيف الإلهي الذي شطر جباه الطغيان؛ فحين استحكم اليهود في حصون خيبر وتدثروا بغرور القوة المنيعة، اندفع نحوهم، ويحمل في يمينه ذو الفقار، فهوى بطلهم مرحب وأخوه الحارث صرعى، وتكسر معهم كبرياء اليهود، وارتبط اسم علي تاريخياً بكسر شوكتهم وإسقاط هيبتهم؛ لأن ولايته ولاية مواجهة واستنهاض لا مساومة فيها.
2- سقوط أوهام الطغيان المعاصر (ترامب ونتنياهو)
اليوم، يعيد التاريخ إنتاج المشهد ذاته؛ فالصهيونية العالمية ورثت حقد أسلافها ومكرهم، مستندة إلى آلات عسكرية وحشية ودعم استكباري عالمي، ويتبختر مجرمو الحرب أمثال ترامب ونتنياهو فوق جماجم الأبرياء وأشلاء الأطفال في قطاع غزة، ظانين أن جبروت السلاح قادر على إخضاع الشعوب الحرة.
لكن التاريخ حاضر بسننه، وراية علي تخفق في ميادين المواجهة؛ وسيبقى سيف ذي الفقار رمز الحق والعدل مشرعاً تحمله أيادي أحفاد أمير المؤمنين الذين لا ترهبهم حاملات الطائرات ولا عواصف الحصار والتجويع، وسيواجه الصهاينة الكابوس ذاته الذي واجهه أسلافهم في خيبر.
المحور الرابع: مخططات التطويع، وصناعة الارتداد، وحركة النفاق المعاصرة
تؤكد رؤية القيادة القرآنية، المتمثلة في خطابات السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي، يحفظه الله، أن الصراع في هذه المرحلة الحساسة للغاية هو صراع هويات وولاءات، ويتلخص مخطط الأعداء وحركة النفاق في النقاط الأبجدية التالية:
أ- ثقافة الأغيار وحقد اليهود الصهاينة: إن حجم الإجرام الفظيع في قطاع غزة يتطلب رؤية فكرية تكشف عداءهم الحاقد؛ فهم ينطلقون من مضامين التلمود التي تنظر لغير اليهود كـ أغيار لا حظ لهم في البشرية، ولديهم حقد شديد يدفعهم لمنع أي خير أو عزة أو تنفس للأكسجين عن الأمة، مع سعيهم الدؤوب والمكثف للإفساد الشامل واللاأخلاقي ونشر الرذائل.
ب- مخطط تغيير وجه الشرق الأوسط والتطويع: يهدف هذا العنوان الاستكباري المعلن من قادة الصهاينة إلى إخضاع المنطقة بكل شعوبها وحكوماتها وتطويعها بالكامل، لتصبح أمة مطيعة تتقبل إملاءاتهم وتتحرك وفق سياساتهم.
ج- مكر التجريد وسلب العناوين الإيمانية: يعمل الأعداء على تجريد الأمة من هويتها ورسالتها المقدسة الموصولة بالله، وهبوط قضيتها العادلة إلى مجرد عناوين حقوقية أو سياسية مجردة (كالمطالبة بالأرض فقط دون إسنادها للقيم الدينية)، مما يفقد الأمة التأييد والنصر الإلهي ويهبط بمعنوياتها، بينما يتبجح قادة الصهاينة بحشد نصوصهم المحرفة وادعاء تمثيل الخير والنور في مواجهة الظلاميين.
د- حركة النفاق الداخلي كأداة ارتداد: حذر القرآن بأشد العبارات في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾، وبيّن أن التولي يشمل التأييد، أو التعاون، أو الخضوع لإملاءاتهم في التعليم والإعلام والاقتصاد.
وتتحرك اليوم أنظمة عربية وحركة نفاق من داخل الأمة ممن في قلوبهم مرض (بسبب الشك، أو الأطماع، أو المخاوف) لتسارع فيهم وتروج للتطبيع والانبطاح تحت عنوان التعايش والسلام ، وهذا التقبل هو الارتداد الفعلي عن الدين الذي يخرج الإنسان من الإيمان إلى الكفر ويجعله شريكاً لليهود في إجرامهم وفسادهم، وعاقبته الحتمية هي الندم والخسران بنص الوعيد الإلهي.
المحور الخامس: خياران لا ثالث لهما… وشواهد الانتصار الحقيقي:
إن الأمة اليوم أمام خيارين حتميين لا ثالث لهما، يحددان مصيرها ووجودها:
الخيار الأول: خيار الخنوع وولاية الطاغوت
وهو الاستسلام والقبول بالهيمنة واتخاذ اليهود والنصارى أولياء، وهو طريق الخسارة المطلقة للدنيا والآخرة، وطريق الشقاء والذل والتبعية للشيطان وأوليائه، وفيه خسارة للأمن، والاستقلال، والكرامة الإنسانية، والعزة الإيمانية، وتحول الإنسان إلى ظالم محسوب على أهل الظلمات الذين قال الله فيهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، ومن يختار هذا الخيار من أجل مجرمين هو أضل وأغبى الأغبياء.
الخيار الآخر: خيار المواجهة والولاية الإلهية
وهو الرفض المطلق لولايتهم وسيطرتهم، والتحرك بوعي، وبصيرة، وشعور بالمسؤولية لمواجهة مؤامراتهم وإفسادهم، والتمسك بالولاية الإلهية (لله ولرسوله وللذين آمنوا) كأصل يحمي الأمة ويصلها برعاية الله ونصره ومعونته، لتتحرك من موقعها الرسالي المقدس كـ حزب الله الغالبون:
أ- أمة الخير: في مواجهة شر اليهود وإجرامهم.
ب- أمة الحق والقسط والعدل: القائمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواجهة باطلهم وظلمهم.
ج- أمة الهدى والنور: التي تحمل النور للبشرية في مواجهة ضلالهم وإضلالهم وظلماتهم.
ولقهر الطاغوت والاستكبار، برهن واقع الأمة المعاصر عبر شواهد ومصاديق عملية ملموسة، نفذتها حركات المقاومة الإسلامية الصادقة التي نهلت من مدرسة الكرامة الإلهية، وهي أكبر الشواهد على الانتصار بالولاية الإلهية:
أ- أنصار الله في اليمن: الذين انطلقوا بوعي إيماني وبصيرة علوية صلبة، فصمدوا وانتصروا على التحالف الصهيوأمريكي المعتدي وأحبطوا طغيانه ومؤامراته.
ب- حزب الله في لبنان: الذين جسدوا قيم الولاية والجهاد والإباء، فهزموا الكيان الصهيوني المغتصب في محطات تاريخية وأذلوا جنده وقوضوا هيبته.
ج- حركة حماس وجناحها العسكري (كتائب القسام) وفصائل المقاومة في فلسطين: الذين نفذوا المواجهة التاريخية الكبرى وهزموا الكيان الصهيوني المغتصب في عملية طوفان الأقصى المزلزلة، التي هزت أركان المشروع الصهيوني وأثبتت للعالم أن قلاع الغدر واهية أمام بأس المقاتل المؤمن.
خاتمة:
إن ولاية الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام هي بحق "مفتاح دين الله القويم" وعقيدة مقاومة متقدة، وليست مجرد شعار عاطفي أو تقليد موروث، بل هي مشروع تحرر شامل ونظام حماية رباني يحفظ الدين، والإنسان، والكرامة، والأوطان.
إن إحياء يوم الولاية هو تجديد للميثاق والبيعة مع الله ورسوله وأعلام الهدى، والاعتصام بالثقلين (كتاب الله وعترة نبيه) هو الضمانة الأكيدة لتحصين الأمة من الحرب الفكرية الناعمة والتبعية، والسبيل الوحيد لتحقيق الوعد الإلهي الحتمي بنصر المستضعفين وكسر عروش الطغاة والمستكبرين.
البراءة وإعلان الولاية:
«اللهم إنا نتولاك، ونتولى رسولك، ونتولى الإمام علي، ونتولى من أمرتنا بتوليه؛ سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي، اللهم إنا نبرأ إليك من أعدائك، ومن أعداء رسولك، ومن أعداء الإمام علي، ومن أعداء من أمرتنا بتوليه؛ سيدي ومولاي عبدالملك بدرالدين الحوثي»
الله أكبر
الموت لأمريكا
الموت لإسرائيل
اللعنة على اليهود
النصر للإسلام
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

