السياسية || محمد محسن الجوهري*

إن إحياء مناسبة "عيد الغدير" هو ترنيمةُ شكرٍ وامتنان لرحمة الله التي تجلت في إتمام النعمة وإكمال الدين. فكل مناسبةٍ دينية هي في جوهرها مائدةٌ إلهية، والاحتفاء بها هو أسمى صور الحمد والشكر لله. وكما نحتفي بالمولد النبوي الشريف -على صاحبه وآله أزكى الصلاة والسلام- كبدايةٍ لرسالة الهدى، فإننا نرى في يوم الغدير تتويجاً لهذه المسيرة، وفصلاً ختامياً في كتاب إتمام الحجة على العالمين.

لقد قام النبي الأكرم ﷺ بتبليغ أمر ولاية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ممتثلاً لأمر الله، ليترك الأمة على "المحجة البيضاء" التي لا يزيغ عنها إلا هالك. لقد كان هذا التبليغ صمام أمانٍ ضد التشتت، وبرهاناً ساطعاً على إتمامه للرسالة دون تقصيرٍ أو تفريط؛ حاشاه ﷺ أن يترك أمانته دون بيانٍ يقطع دابر الاختلاف، فنحن نبرئه مما ينسبه إليه أعداؤه ومن يلقون بتبعات الضياع على عاتقه، بل نؤمن بأن التقصير كل التقصير يقع على عاتق الأمة التي بدّلت وغيرت، ولو تمسكت بوصية نبيها، لما تاهت في دروب الفتن والشقاء.

إن توجيهات الرسول ﷺ في الغدير كانت عهداً مقدساً وفرضاً واجباً، امتثالاً لقوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. وإن من يحيد عن هذه الوصية، يضع إيمانه موضع التساؤل؛ فليس من المنطق أن يزعم المرء حبه لله ورسوله وهو يجاهر بمخالفة أمره. إنها البراءة من مسلك أولئك الذين حذوا حذو بني إسرائيل في مخالفة أوصياء أنبيائهم، فكانت النتيجة وخيمة، والخاسر الأكبر لم يكن النبي أو وصيه، بل الأمة التي جرت على نفسها ويلاتٍ لم تنتهِ فصولها إلى عصرنا هذا.

"إن واقع الأمة المرير -منذ فتنة 'الردة' التي كانت أولى بذور التكفير وشرعت لسفك الدماء المعصومة، وصولاً إلى عقودٍ من تسلط الطغاة وتجرع مرارة الذل والتبعية- لم يكن وليد الصدفة، بل هو النتيجة الحتمية والامتداد الطبيعي للابتعاد عن نهج آل محمد (عليهم السلام). إنهم ورثة الكتاب والسنة، وحماة الحق والعدل، وحراس المشروع النبوي الذي أراده الله للأمة أن يكون منارةً للعزة والكرامة.

لقد كان استبدال القيادة الربانية بقيادةٍ دنيوية هو 'الخطيئة الأصلية' التي فتحت أبواب الفوضى؛ فبمجرد أن أُقصي أهل البيت عن مقامهم الذي نصبه الله ورسوله، اختل ميزان العدالة، وانحرف مسار الحكم من "الخلافة" إلى "الملك العضوض". ومنذ ذلك الحين، فُتحت ثغرةٌ كبرى تسلل منها الظالمون، وتحولت فيها قيم الإسلام -من دينٍ للتحرر والكرامة- إلى أداةٍ بيد الطغاة لتبرير الاستبداد وقمْع الأحرار.

والتاريخ يثبت، بل يصرخ، بأن كرامة الإنسان وصيانة الحقوق في هذه الأمة لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل ولاية آل محمد؛ لأن ولايتهم ليست مجرد انتماءٍ مذهبي، بل هي منظومة قيمية قائمة على العدل المطلق، والعلم الرباني، والزهد في السلطة. لقد كان التخلي عنهم بمثابة تفكيكٍ لدرع الأمة الحصين، حيث أدى إقصاؤهم إلى غياب المرجعية الحقيقية التي كانت ستمنع تمدد التيارات المتطرفة التي تقتات على تكفير المسلمين، وتمنع أيضاً هذا الانقياد المهين للأعداء الذين استغلوا تشرذم الأمة وضعف جبهتها الداخلية؛ فما نعيشه اليوم من تشتتٍ سياسي وضياعٍ للبوصلة، ليس إلا تراكماتٍ تاريخية لقرارٍ واحدٍ اتُّخذ في لحظةٍ فاصلة، يوم أدارت الأمة ظهرها للنهج الذي ارتضاه الله لها في غدير خم.

وما يزيد المشهد مأساوية هو ذلك الانحراف الذي أعقب رحيل النبي، حيث أفضى التخلي عن ولاية "علي" إلى تقاربٍ مشبوه مع أعداء الأمة، وتسليمٍ لمقدراتها لمن لا يرقبون فيها إلا ولا ذمة، حتى صار التاريخ يشهد كيف تحولت أمةُ الفتوحات إلى ساحةٍ للفوضى والانتهاك، في حين كان الغدير هو الملاذ الذي لو اعتصمت به الأمة، لما رأت من أهل الكتاب ومن سواهم إلا ما يليق بعزة الإسلام ومكانة أهل البيت.



* المقال يعبر عن رأي الكاتب