التأهيل الإلهي للإمام عليّ.. شواهد من مسيرة النور والعلم والجهاد
طوفان الجنيد*
مَن يحاول أن يكتب عن مولانا أمير المؤمنين، ويعسوب الدين، والصراط المستقيم، عليّ بن أبي طالب (سلام الله عليه وكرّم الله وجهه)، يقف عاجزًا، متحيّرًا، ومذهولًا؛ وكيف لا، وهو الشخصية التي حار في كنهها الكُتّاب والفلاسفة، والقمة التي أطلت على التاريخ فملأته نورًا وعدلًا.
إنه الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الرجل الذي لم كان تاريخًا يمشي على قدمين.
فمنذ اللحظة الأولى التي تفتّحت فيها عيناه داخل جوف الكعبة المشرفة، وحتى اللحظة التي خُضِّبت فيها شيبته بدم شهادته في محراب الكوفة، تجسّدت حياته كلوحة صاغتها يد القدر الإلهي لتكون منارة للأجيال؛ مسيرة تختصر النور في روحيته، والعلم في عقله، والجهاد في سيفه ومواقفه.
إنّ التدقيق في هذه المسيرة يكشف بوضوح أنّ تبوّؤه مقام القيادة ثمرة خطة إلهية مدروسة، وإعداد نبوي دقيق؛ حَيثُ صُنع عليٌّ على عين رسول الله (صلوات الله عليه وآله)، ليكون الامتداد الطبيعي للرسالة وحارسها الأمين، عبر شواهد ومشاهد حاسمة:
أولًا: وليد الكعبة ونشأة النور – التأهيل الروحي والتربوي:
كانت ولادة علي بن أبي طالب إيذانًا بانبثاق فجر جديد؛ إذ انشق جدار الكعبة لتضعه أمه فاطمة بنت أسد في أقدس بقعة على وجه الأرض.
ومن هذا المهد الطاهر، انتقل عليٌّ ليعيش في كنف ابن عمّه النبي الأكرم (صلوات الله عليه وآله)، فتربّى في حجر الرسالة، ورضع لبان الوحي.
مشهد غار حراء:
كان النبي (صلوات الله عليه وآله) يخلو بنفسه في الغار، ولم يكن يصطحب معه إلا عليًّا، فيشاهد نور الوحي ويشمّ ريح النبوة منذ نعومة أظفاره.
يقول (عليه السلام):
«ولقد كنتُ أتّبِعُه اتّباعَ الفصيل أثرَ أمّه».
مشهد زواج النورين (تأهيل البيت القيادي):
لم يكن زواج الإمام علي من سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) زواجًا تقليديًّا، بل قرارًا إلهيًّا لتأهيل البيت الذي سيتولى قيادة الأُمَّــة وحفظ نسل النبوة.
وجاء الشاهد النبوي حاسمًا:
«لو لم يُخلق عليّ لما كان لفاطمة كفؤ»،
وفي رواية أُخرى:
«إن الله أمرني أن أزوّج فاطمة من علي».
هذا الاقتران المقدّس عزل بيت الخلافة المستقبلية عن الصراعات المادية، وجعله المحضن الإلهي للإمامة (الحسن والحسين).
ثانيًا: باب مدينة العلم – التأهيل المعرفي والتشريعي:
إنّ الخلافة الحقيقية تحتاج إلى مرجعية علمية مطلقة لا تخطئ في فهم النص الإلهي، ومن هنا كان التركيز المحمدي على ملء عقل عليٍّ بكل أسرار التشريع.
مشهد باب المدينة:
تجسّد هذا الإعداد في قوله (صلوات الله عليه وآله):
«أنا مدينةُ العلم، وعليٌّ بابُها، فمن أراد المدينة فليأتِ الباب».
شواهد الأثر المعرفي:
تجلّت علومه في خطبه ورسائله التي جُمعت في كتاب نهج البلاغة، فكان فذًّا في القضاء، حتى قال عمر بن الخطاب:
«لولا عليّ لهلك عمر».
وهو الذي وضع اللبناتِ الأولى لعلم النحو العربي، حمايةً للغة القرآن.
ثالثًا: ذو الفقار وحامي الرسالة – التأهيل القيادي والعسكري:
لم يكن علمُ الإمام علي علمًا منزوِيًا في الصوامع، بل علمًا حركيًّا تجسّد جهادًا وتضحية.
وقد درّبه النبي (صلوات الله عليه وآله) على قيادة الأُمَّــة وإدارة شؤونها عمليًّا وعسكريًّا، عبر محطات ومواقف زلزلت أركان الشرك:
مشهد المبيت والفداء:
تجلّى جهاده حين نام في فراش النبي (صلوات الله عليه وآله) ليلة الهجرة، واشترى الموت ليحيا الرسول، فأنزل الله فيه قوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾.
مشهد الأحزاب (بروز الإيمان كله):
في غزوة الخندق، حين تراجع الجميع أمام جبروت عمرو بن عبد ودّ العامري، برز الإمام علي، فخرجت الكلمة النبوية التقييمية الكبرى:
«برز الإيمان كله إلى الشرك كله».
وبضربته التي قال عنها النبي إنها «تعدل عبادة الثقلين»، حسم عليٌّ معركة الوجود الإسلامي.
مشهد خيبر (القيادة والفتح الإلهي):
قال النبي (صلوات الله عليه وآله):
«لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، كرّار غير فرّار، يفتح الله على يديه».
فكان عليٌّ هو الموعود، فدكّ حصون خيبر واقتلع بابها، ليكون هذا المشهد صكًّا إلهيًّا يثبت كفاءته المطلقة في القيادة.
مشهد تبوك (شاهد المنزلة):
قال له النبي (صلوات الله عليه وآله):
«ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي؟».
رابعًا: إبلاغ سورة براءة – التأهيل السياسي والدبلوماسي:
في يوم الحج الأكبر (9 هـ)، نزل الوحي بسورة براءة لقطع العلاقات مع المشركين.
مشهد العزل والتعيين:
بعث النبي أولًا أبا بكر، ثم نزل الوحي:
«لا يبلّغ عنك إلا أنت أَو رجل منك».
فأرسل النبي عليًّا ليبلّغ السورة في منى، شاهدًا على حصرية تمثيله للرسول في القضايا المصيرية.
خامسًا: غدير خم ومحراب الكوفة – من التتويج إلى الشهادة
في غدير خم (10 هـ)، قال النبي: «من كنتُ مولاه، فهذا عليٌّ مولاه»، فنزل قوله تعالى: ﴿اليوم أكملتُ لكم دينكم﴾.
وكما بدأت السيرة في بيت الله، خُتمت في بيت الله؛ ففي محراب مسجد الكوفة، قال عليٌّ كلمته الخالدة:
«فُزتُ وربِّ الكعبة».
الخاتمة: الأثر الخالد:
لقد رحل الإمام عليّ (كرّم الله وجهه) إلى الحياة الخالدة، ودُفن في النجف الأشرف، لكنه لم يمت في ضمير الإنسانية.
لقد أثبتت مسيرته أنه مشروع إلهي ومحمدي أُعِدّ بعناية ليكون ربان سفينة الإسلام.
سيبقى عليّ بن أبي طالب نموذجًا خالدًا:
نورًا يبدّد ظلام الجهل، وعلمًا تهتدي به العقول، وجهادًا يزلزل عروش الظالمين.
سلامٌ عليه يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبعث حيًّا.
اللهم ثبّت قلوبنا على موالاتك، وموالاة نبيك محمد (صلوات الله عليه وآله)، وموالاة وصيّه وباب مدينة علمه علي بن أبي طالب، وعلى ولاية أهل بيته الأطهار؛ نحيا عليها ونموت عليها، ونُبعَث عليها.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

