عليٌّ رمزُ التعايش والقبول بالآخر
السياسية || محمد محسن الجوهري*
إن أهم ما ينقص الأمة هو مبدأ القبول بالآخر والتعايش تحت راية الإسلام، وهذا من الآثار الجانبية للإعراض عن ولاية الإمام علي -عليه السلام- والميل إلى غيره من عشاق السلطة والطغاة. وعندما تخلت الأمة عن علي، فهي تخلت عن نفسها وعن أهم عامل من عوامل قوتها؛ ولذلك لا غرابة أننا نعيش منذ ذلك الحين تحت حكم الطغاة والمستبدين، والأسوأ هو أن الطغيان تحول إلى دين يُدجَّن الناسُ به على يد وعاظ السلاطين وتجار العقيدة.
كان الإمام علي شديداً على الكفار في المعركة، أي عند اشتداد البأس وفي مواجهة أعداء الأمة دون غيرهم، أما في السلم فعليٌّ رمزُ التواضع والحرية والقبول بالرأي الآخر؛ ولذلك كان الناس يتجرأون على انتقاده والمجاهرة حتى بعداوتهم له، فهو لا يشهر سيفه إلا في المعركة، ولا يرفع سوطه على أحد أبداً، كما كان يفعل الآخرون في زمن السلم وإن كانوا أول من يفر من ساحات القتال.
كان عليٌّ لا يقتل الناس على الظِّنَّة، ويستطيع الجميع أن يعيشوا في ظله بسلام، وأن يعبِّروا عن آرائهم ومعتقداتهم بكل حرية؛ فقد كان فيهم كرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليِّن العريكة، واسع الكرم والتسامح، وكذلك حال آل البيت حتى يومنا هذا، فهم رمز التعايش، وتحت حكمهم تُصان الأعراض والدماء، ويمارس الناس حياتهم بلا خوفٍ وبلا نفاق.
وهذا ما لا يتحقق في ظل غيرهم؛ فبمجرد أن انحرفت الأمة عن وصية نبيها واستبدلت بالإمام علي غيره من عشاق السلطة، دخلت مرحلة الصراع والقتل بالظِّنَّة ولمجرد الاختلاف في الرأي، والبداية كانت من حروب الردة التي هي في الأصل إبادة جماعية لأناس وقبائل رفضوا رزية السقيفة وأصروا على ولاية الإمام علي استجابةً لوصية الرسول صلى الله عليه وآله.
ثم في زمن هؤلاء الثلاثة، ومن تلاهم في ولاية أمر الأمة واستنَّ بسنتهم، عاش الناس في رعب وعبودية، حيث أصبح القتل والتكفير السمة الأغلب في حكمهم، وبات الجميع يتجنبون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوفاً من حد الردة، وأصبح الظلم هو سيد الموقف، والخروج على الظالم هو الكفر بعينه، وعقوبة ذلك كله الموت؛ ولذا صمت الجميع وخسروا الحرية التي عرفوها حق معرفتها في زمن النبي صلى الله عليه وآله، وفي ولاية الإمام علي عليه السلام، ولم تظهر من بعد ذلك أبداً في واقع الأمة الإسلامية ككل.
أي أن علياً لم يخسر شيئاً، بل الأمة خسرت نفسها يوم أعرضت عنه، وخسرت حريتها وحق أبنائها في العيش المشترك؛ فالإمام علي كان سيحكم الناس بحكم رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو توحيد الجميع تحت كلمة التوحيد، إلا أن الاستنان بسنة غير النبي وآل بيته قادنا إلى التكفير والصراعات المذهبية وحتى العرقية. وحتى اليوم، فإن كل حديث مذهبي وما يرافقه من تكفير للآخر والدعوة إلى التناحر في الداخل الإسلامي إنما هو نتاج الانحراف عن خط النبي وعلي، والميل إلى خط غيرهم ممن يضيق صدره بأمر الرعية، ويحاسب الناس على الرأي والعرق والعقيدة، ويقتلهم بالهوية.
وعليه، فإن استحضار نهج الإمام علي هو دعوةٌ متجددة لاستعادة جوهر الإسلام الذي يقوم على التراحم والعدالة. فالطريق نحو الخروج من نفق التكفير والاحتراب الداخلي يمر حتماً عبر العودة إلى تلك القيم الإنسانية النبيلة التي جسدها علي في حكمه، وأن نؤسس لواقعٍ تُحترم فيه كرامة الإنسان وتُصان فيه حريته، مقتدين في ذلك بذاك السيرة العلوية التي لم تكن يوماً سيفاً مسلطاً على المستضعفين، وإنما على أعدائهم من القتلة ودعاة الانحراف والطغيان.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

