مفهوم الولاية في الفكر الإسلامي: امتداد الولاء المعاصر وثبات خطوط الصراع التاريخي
السياسية || علي مجمل حمزة*
تُعدّ مسألة "الولاء والبراء" واحدة من الركائز العقائدية والفكرية في الإسلام، فهي ليست مجرد مشاعر عاطفية عابرة، بل هي موقف مبدئي يحدد بوصلة الإنسان وموقعه في الصراع بين الحق والباطل. ومع ذلك، يبرز في الفضاء الفكري إشكال يعترض به البعض عند الحديث عن ولاية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، حيث يطرحون تساؤلاً مفاده: "ما الجدوى العملية من إعلان الولاء لشخصية رحلت عن عالمنا منذ قرون؟ وكيف يمكن لموالاة غائب عن الحاضر أن تؤثر في واقعنا المعاصر؟".
للوصول إلى إجابة منطقية تحل هذا الإشكال، لا بد من تفكيكه من خلال القياس على أصل العقيدة؛ فالنبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) قد رحل عن الدنيا قبل الإمام علي، ومع ذلك، فإن الأمة الإسلامية بمختلف طوائفها تقرّ بوجوب طاعته، واتباعه، وموالاته حتى يومنا هذا. وإذا تساءلنا: كيف نتبع نبياً لا نعيش في عصره؟ قد يُسارع البعض بالإجابة التقليدية: "عن طريق مدونات السيرة النبوية ومأثور الأحاديث". لكن هذه الإجابة على أهميتها تظل قاصرة؛ فالإجابة الأكثر عمقاً وثباتاً هي أننا نتبع النبي من خلال الشاهد الحي والدائم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو القرآن الكريم. فالقرآن هو الوثيقة الإلهية الخالدة التي رسمت ملامح شخصية النبي، وحددت صفاته ومسؤوليته القيادية لتكون حجة على البشرية إلى يوم الدين.
وعند إسقاط هذا المنهج المعرفي على الإمام علي بن أبي طالب، نجد أنفسنا أمام جدل تاريخي؛ فلو استشهدنا بآيات قرآنية صريحة نزلت في حق الإمام (كآية الولاية أو التطهير)، لرمى المخالفون هذا الاستدلال بالتحيز، ولقالوا إننا نُسخّر الآيات لتخدم مواقفنا المسبقة. إذن، ما هو المخرج المنطقي لإثبات هذه الولاية وجعلها حية في زماننا؟
الحل يكمن في تطبيق ذات المعادلة القرآنية التي اعتمدناها مع النبي؛ فبدلاً من الدخول في صراعات تأويلية حول الأسماء، نتوجه إلى القرآن الكريم لنستخرج منه "المنظومة الوصفية" للقيادة الشرعية التي ارتضاها الله للأمة بعد نبيّه. وحين نجد أن هذه الصفات والأوصاف القيادية والأخلاقية تتطابق تطابقاً تاماً مع شخصية الإمام علي بن أبي طالب، يتضح لنا جلياً أن موالاة مَن يحمل هذه الصفات اليوم هي الامتداد الطبيعي والشرعي لولاية النبي والوصي معاً. فالولاية في جوهرها هي موالاة للمنهج والصفات وليست مجرد ارتباط بالشخص؛ وبالتالي، فإن كل من يسير على هذا النهج القرآني في عصرنا الحالي يُعد امتداداً حياً لتلك السلسلة المباركة.
وفي المقابل، فإن لمعادلة الولاية شقاً آخر لا ينفصل عنها وهو "البراء أو العداء". فالقرآن الكريم لم يكتفِ بتوثيق صفات الأولياء، بل خلّد أيضاً خطوط الأعداء وسلوكياتهم؛ فمن عاند النبي وحاربه ونافق في دينه مَذكور وموصوف في الآيات ليكون عبرة. وعند إسقاط خط العداء هذا على واقعنا المعاصر، نكتشف حقيقة مذهلة: إن الأحداث التاريخية تتكرر بذات ردود الأفعال والذهنيات؛ فالجبهة التي تعادي خط الحق اليوم تمارس نفس الأساليب والاضطهاد الذي مارسه أعداء الإمام علي قديماً. إنهم يحاربون ويعادون كل من يتمسك بنهج النبي وآله، مما يجعل التعرف على العدو المعاصر أمراً يسيراً لمن يقرأ القرآن بعين البصيرة.
ختاماً، يمكن القول إن الولاية ليست حدثاً تاريخياً معزولاً انتهى بوفاة رجالاته، بل هي خط رسالي ممتد عبر الأزمان. إن إسقاط مفهوم الولاية على عصرنا الحالي يعني باختصار: أن نحدد جبهة الحق من خلال الأوصاف القرآنية فنواليها، ونشخص جبهة الباطل بذات المقاييس فنعاديها؛ لتستمر المعادلة ثابتة منذ فجر الدعوة إلى يومنا هذا: الولاء لأوليائه، والمعاداة لأعدائه.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

