لماذا تخسر الأنظمة المطبِّعة؟
السياسية || محمد محسن الجوهري*
قبل أكثر من خمس سنوات، تنبأ الناشط الفلسطيني الشهيد نزار بنات بأن دول الخليج على موعد مع الفقر والتشرذم كنتيجة حتمية للتطبيع مع الكيان الصهيوني؛ فكل الأنظمة التي سبقت الخليج إلى التطبيع وبررت الخيانة بذرائع اقتصادية، انتهى بها الأمر إلى الجوع والإفلاس، إضافة إلى تراجع نفوذ تلك الدول وهيبتها بين شعوب المنطقة والعالم.
ولعل النموذج المصري هو العينة الأشهر على التطبيع؛ فقد انتقلت مصر من مرحلة القوة الإقليمية والزعامة العربية إلى دولة منكفئة على ذاتها، كما تحولت من دولة منتجة إلى دولة مستهلكة، والحال ينطبق كثيراً على الأردن من الناحية الاقتصادية، أما مكانتها السياسية فهي محدودة من قبل أن تعلن تطبيعها العلني مع الكيان.
والسبب أن الصهاينة لا يقبلون بالندية أو التعايش، ويرون في التطبيع وسيلة سهلة للتغلغل وضرب الشعوب العربية من الداخل، كما أن الأحداث التي سبقت مرحلة التطبيع -مثل انتصار أكتوبر- لا تزال شبحاً يهدد مستقبلهم، ويؤكد بأن الجيش الأسطوري الذي لا يُهزم قد هُزم بالفعل، وتكرر من بعدها مسلسل الهزائم على مدى خمسة عقود.
المميز في التطبيع أنه يكشف الأقنعة ويمهد للسقوط السياسي والاقتصادي الذي غالباً ما يلازم كل خيانة وسقوط أخلاقي. وفي الوضعية الخليجية، فقد بات من البدهي أن تدفع الثمن نظير تآمرها مع الصهاينة ضد الأمة الإسلامية، وهو الحال التي انتهجتها أنظمتهم منذ تأسيسها على يد الإنجليز في القرن الماضي، ولم تكن ممثلاً للعروبة أو الإسلام على الإطلاق، وإنما كانت ثغوراً تخدم المشروع الصهيوني من داخل الأمة.
ولنا أن نقارن وضعية الاقتصاد الخليجي قبل وبعد التطبيع العلني، فحتى تاريخ 13 سبتمبر 2020، لم تتعرض الإمارات لأي هجمات فعلية تهدد وجودها واستقرارها الاقتصادي، إلا أن التطبيع والسقوط الأخلاقي الذي سبقه، جعل منها عدواً صريحاً للأمة الإسلامية وقضيتها المركزية، وعليه رحب الجميع بكل الهجمات التي ضربت اقتصادها بدءً من ضربة مصفح 2021، وحتى الهجمات الإيرانية المستمرة منذ مطلع العام الجاري، وتسببت بكارثة غير مسبوقة لدى الإمارات وغيرها من الأنظمة العميلة في الخليج.
ومن المستحيل أن تتوقف الحرب أو تتراجع إيران أو غير إيران عن خيار المواجهة مع المعسكر الصهيوني، ولو تراجعت إيران لظهر غيرها وحمل الراية نيابة عنها لأن المعركة مع الكيان معركة مقدسة، وبالنسبة لدول الخليج فإن التآمر على الأمة لن ينهي مخاوفها الأمنية والاقتصادية، بل على العكس، فقد مثل البداية الكارثية للعدالة الإلهية، ولا بد للأنظمة العميلة أن تدفع ثمن العمالة ولو بعد حين.
والشواهد الواقعية على ذلك تتجلى بوضوح في تحول تلك الدول إلى مجرد أدوات في مشروع أمني تُملى شروطه من تل أبيب وواشنطن. فالتطبيع الذي سوِّق له كبوابة لـ'الازدهار والتكنولوجيا' لم يُثمر سوى عن استنزافٍ مهولٍ للثروات في صفقات تسليح مشبوهة، كما إن التطبيع يفتح الأبواب للفتن المجتمعية والاختراق الاستخباراتي، ويُفرغ المؤسسات من روحها الوطنية، مما يجعلها أنظمةً هشةً تفتقر إلى أي رصيد شعبي يقيها شرور التقلبات الجيوسياسية.
ومما لا شك فيه أن الرهان على كيانٍ يعيش أساساً على 'دعم التنفس الاصطناعي' الغربي، ويواجه أزمة وجودية هو رهانٌ خاسر؛ فكل يوم يمر يؤكد أن هذا الكيان عاجزٌ عن حماية نفسه، فكيف له أن يوفر الأمن والحماية لحلفائه؟ لكنها بداية النهاية لأنظمةٍ اختارت أن تسبح عكس تيار التاريخ، وتخلت عن حاضنتها الطبيعية (الأمة) لتستجدي الحماية من عدوٍ لا يؤتمن جانبه.
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

