"إسرائيل الكبرى" المشروع الإستعماري الذي يستهدف وجود العرب والمسلمين كأمة ! (6 : 10 )
صلاح المقداد*
ومن يُحاطون خُبْراً شاملاً بطبيعة كيان الإحتلال الصهيوني الغاصب في فلسطين وغريزته العدوانية الشيطانية وخصوصية تركيبته الهجينة ككيان وظيفي يتبع وتخدم الغرب ومصالحه، لا يمكن أن يخفى عليهم حقيقة هذا الكيان الإستعماري المجرم ، ولا يجهلون في نفس الوقت مجمل الظروف والأوضاع السياسية والتاريخية التي تزامنت مع إنشاء ذلك الكيان الغاصب وزرعه في قلب المنطقة كمصدر إقلاق وإشغال لدولها وشعوبها من قبل بريطانيا والغرب في أربعينيات القرن العشرين الميلادي ، وما رافق ذلك من تغيرات وأحداث خطيرة عصفت بالمنطقة .
كما أنه لا يغيب عن بال أي لبيب كل ما يؤكد نزعة قادة ذلك الكيان اللقيط الهجين العدوانية ، وحماس وإصرار القائمين عليه ومن تكفلوا وتعهدوا بدعمه ورعايته على تقديم كافة سبل الدعم الممكنة لإستمراره وتوسعه والتغطية على جرائمه وشرعنتها .
بيد أن الصهاينة ومن معهم لن يكتفوا بما انجزوه من خلال احتلال فلسطين وإنشاء وطن قومي لليهود فيها طبقًا لما تضمنه وعد بلفور البريطاني المشؤوم بتمليكهم أرض فلسطين وطرد أهلها منها ، حيث وضع اليهود وحلفائهم الغربيين ضمن خططهم وبرامجهم الإستراتيجية للتوسع والتمدد والهيمنة الإسرائيلية في المنطقة المزيد من الأهداف والخطط لتحقيق ذلك ، ويسعون دومًا إلى تحقيق ما خططوا له بالتدريج وعلى مراحل ، بما يضمن لهم في النهاية إنجاز ما يسمى بمشروع "إسرائيل الكبرى" التي ستمتد حدودها من النيل في مصر إلى الفرات في العراق ، وتضم أجزاء واسعة من أراضي دول المنطقة إليها ، كإستحقاق ديني وتاريخي خالص لليهود حسب مزاعمهم بوعد الرب لهم بما يسمونه "أرض الميعاد" ، وعند اليهود في كتبهم نص يقول "حدودك يا اسرائيل من النيل إلى الفرات" ، مما يعني أنهم يسعون لإبتلاع المنطقة واحتلال المزيد من الأراضي العربية ، وقد احتلوا بالفعل مساحة جغرافية من لبنان ومؤخراً احتلوا عدد من المناطق في سوريا بعد سقوط النظام السابق وأصبحوا على بعد 25 كيلو متر من العاصمة دمشق .
وعلى مدى أكثر من سبعة عقود من الزمن وقادة الإحتلال الإسرائيلي ومن تعاقبوا على رئاسة حكوماته المتتالية منذ عام 1948م وحتى اليوم وعددهم 14 رئيس وزراء أولهم ديفيد بن غوريون حتى رئيس الوزراء الحالي بن يامين نتن ياهو ، وجميع هؤلاء ومن عملوا معهم من المحتلين الصهاينة على ذات الرأي ويجمعهم هدف واحد ، ألا وهو حلم التوسع والهيمنة الصهيونية على دول المنطقة كافة وخلق شرق أوسط جديد وجعل كلمة إسرائيل فيه ويدها هي اليد العليا والطُولى ، فضلاً عن أن جميع الزعماء والقيادات الإسرائيلية سواء من يمثلون اليمين أو اليسار ومن يقال عنهم حمائم وصقور جميعهم من طينة عنصرية واحدة ، وكلهم ينظرون إلى العرب والمسلمين بإزدراء واحتقار ويعتبرونهم رعاع وأعداء يجب قتلهم والتخلص منهم واحداً تلو الآخر ، وما ارتكبوه من جرائم إبادة جماعية للفلسطينيين بغزة خير شاهد ودليل على ذلك ، ولا يزال الحبل على الجرار ! .
ويبقى من الأهمية بمكان التذكير والإشارة ضمن السياق إلى أن ما يسمى بـ"مشروع إسرائيل الكبرى" في الأساس هو "مُصطلح سياسي" في حقيقته ، ويتمحور في ثلاثة معاني أساسية ولكل معنى منها دلالاته الخاصة به ، فالمعنى الأول للمصطلح ديني ، فيما المعنى الثاني تاريخي ، والثالث سياسي معاصر .
وبالنسبة للأهداف المنسوبة لما يسمى ب"مشروع إسرائيل الكبرى" ، فقد تركزت حسب أكثر من مصدر أهتمت بتحليل ذلك المشروع الإستعماري الذي يستهدف المنطقة العربية برمتها لا دولة أو دولاً مُعينة ، وانحصرت أهدافه عامةً على مستويين : الأول إقليمي جغرافي ، والثاني : جيوسياسي استراتيجي .
ويسعى الصهاينة جاهدين إلى انجاز مشروعهم الإستعماري هذا وتحقيق أهدافه الجغرافية والإقليمية عبر النقاط التالية :
1- التوسع الإقليمي : وذلك من خلال ضم الأراضي التي أحتلتها إسرائيل في حرب حزيران 1967م ، وتشمل القدس الشرقية ، والضفة الغربية ، وقطاع غزة ، ومنطقة الجولان السورية ، ومنطقة سيناء من مصر ، وقد عبر رئيس حكومة الإحتلال الحالية المجرم بنيامين نتن ياهو عن تطلعه لتحقيق تلك الأهداف لمشروع الصهاينة الإستعماري التوسعي في المنطقة ، حيث وصف نفسه في تصريح أدلى به في أغسطس 2025م ، وذكر فيه "أنه في مهمة تاريخية وروحية مرتبطة برؤية إسرائيل الكبرى" حسب تعبيره .
2- التوسع في الإستيطان وفرض وقائعه بالتدريج في الضفة الغربية والقدس الشرقية حيث يوجد المسجد الأقصى المبارك ، لإلغاء إمكانية "قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة في تلك المناطق المستهدفة بالإستيطان .
3- العمق الأمني : والذي يشمل قيام حكومة الإحتلال بإنشاء أحزمة عازلة وشن ضربات عسكرية استباقية في الدول العربية المجاورة لمنع تهديدات عسكرية قد تواجهها إسرائيل من هنا أو هناك .
أما بالنسبة للأهداف الجيوسياسية والإستراتيجية لما يسمى بمشروع "إسرائيل الكبرى" ، فلقد حددها واضعو هذا المشروع الإستعماري الخطير وأجملوها فيما يلي :
1- الهيمنة الإقليمية : والهدف هذا لا يشمل فقط السيطرة على الأرض ، بل إنه يمثل بالنسبة للصهاينة "مشروع سيادة" ، بحيث يضمن لهم تحويل إسرائيل إلى "ملكة الغابة" في منطقة الشرق الأوسط ، وهو ما يتطلب منهم العمل على إضعاف إيران ومنظومة مجلس التعاون الخليجي التي تضم ست دول عربية ، واجبارها على الإعتماد على إسرائيل أمنيًا وإقتصاديًا ، كما هو الحال بالنسبة لدولة الأمارات العربية المتحدة على سبيل المثال التي تربطها علاقات وثيقة بكيان الإحتلال التي طبعت معه .
2- تفتيت الدول العربية المحيطة بكيان الإحتلال الغاصب في فلسطين حسب خطة الصحفي الإسرائيلي ( يانون) الشهيرة التي أعلن عنها في عام 1982م ، وتنص على تقسيم الدول العربية المجاورة على أسس عرقية وطائفية لتصبح دولاً أصغر وأضعف ، والهدف الرئيسي لهذه الخطة يتركز في "إعادة تشكيل البيئة الجغرافية السياسية" في عدة دول عربية مستهدفة بها .
3- السيطرة على الموارد وعلى مصادر المياه ، ومنها : نهر الأردن والليطاني ، ومصادر الضفة وحقول الغاز في منطقة شرق المتوسط .
4- ضبط الديموغرافيا : ويعني الحفاظ على أغلبية يهودية في المناطق المحتلة بأي ثمن كان ، عبر المواطنة والهجرة وتغيير الواقع القانوني لصالح اليهود .
وفيما يتعلق بالأهداف السياسية الحالية لما يسمى بمشروع إسرائيل الكبرى الذي أعلنت حكومة نتن ياهو تبنيه ، فتشمل الضم الكامل للأراضي الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية ، وقد صرح نتن ياهو عن مساعيه للإستيلاء الكامل عليها وطرد الفلسطينيين من وطنهم ، وإعتماد خطة إنشاء دول تابعة تشمل أجزاء من لبنان والأردن وسوريا ومصر والعراق والسعودية ، إلى جانب التطبيع وفرضه على الدول العربية وتغيير التحالفات ، وتسعى حكومة الكيان الصهيوني الغاصب جاهدة من خلال استخدام التطبيع لكسر العزلة وتحويل "دول الطوق" من عدو إلى ضامن مستقبلي لأمن إسرائيل .
..... يتبع .....
* المقال يعبر عن رأي الكاتب

