السياسية || علي مجمل حمزة*

وُلد "محور المقاومة" كمشروعٍ دفاعي في وجه الهجمة الصهيونية، وقد ظهر في مرحلةٍ حساسة اختفى فيها الجميع، وتقاطر زعماء العرب وقادتهم إلى الخنوع والتطبيع على أمل أن تسلم لهم مناصبهم ومصالحهم الخاصة على حساب شعوب الأمة الإسلامية وقضاياها المركزية، وأولها القدس المحتلة. وقد استمد أهدافه من التوجيه الإلهي الذي يشرع حق الدفاع عن النفس، مصداقاً لقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ...} [سورة الحج: 39-40].

هذه الآية تصف ما يحصل للشعب الفلسطيني أولاً، ولباقي الشعوب المغلوبة على أمرها. وأنا هنا لستُ في طور التبرير أو إظهار أحقية "محور المقاومة" في الدفاع عن أنفسهم، بل على العكس؛ نريد أن نسأل من يهاجمون "محور المقاومة": ما هي مبرراتكم؟ وهل وصلتم لها؟
لن تجد إجابة مقنعة، لكن سيُرَدُّ عليك بسؤال: "ماذا استفاد محور المقاومة من معاداة العالم؟ وهل وصل لما أراد؟"، وقد يقولون إن شعوب المقاومة وبلدانهم يعيشون في عزلة عن العالم، وفي مستوى معيشي ضعيف وتطور حضري شبه معدوم.

قد يقنعون البعض بهكذا سؤال، لكن الإجابة بسيطة؛ فمن يتبع تعاليم القرآن سيجد أن من الواجب عليه أن يحرر نفسه من العبودية لغير الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [سورة المائدة: 51].

أما المناوئون للمحور فحقيقتهم واضحة مهما حاولوا إخفاءها والتظاهر بأنهم ليسوا عبيداً للعدو، أو أنهم يحافظون على مصالح مشتركة بينهم وبين الغرب، وهذا ليس واقعاً؛ فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتحدث بكل صراحة وغطرسة بأن القادة العرب جزء من عدوان بلاده على محور المقاومة، وأنهم يشاركون بالتمويل وبفتح أراضيهم للعدو حتى يتسنى له ضرب أحرار الأمة من قلب الأمة نفسها.

وهذه حقائق لا تخفى على أحد، وكل منصف يعلمها جيداً، وحتى غير المنصفين يعلمون بأن الأنظمة العميلة في الخليج هي جزء من المؤامرة على الأمة، فقد انخرطوا في صف العدو منذ وقتٍ مبكر، وهدفهم دوماً هو النيل من "محور المقاومة" ومن أي قوى حرة تناهض العدو الصهيوني.

وهذا الأمر لم يعد سراً؛ فإعلامهم الرسمي وغير الرسمي يجاهر بولائهم للصهيونية وبالعداء الصريح حتى للشعب الفلسطيني نفسه. وهذه مرحلة متقدمة من العمالة، فقد كانوا في الماضي يكتفون فقط بمعاداة أنصار فلسطين من الشعوب العربية والإسلامية، أما اليوم فقد انتقلوا إلى مستوى أعلى من المواجهة، جعلوا فيها من حركات المقاومة في فلسطين ولبنان أهدافاً معلنة لهم، رغم أنهم في منأى عن أي مخاطر أو تهديد من أحرار فلسطين ولبنان.

السؤال: هل ستنتهي مشكلتهم بالقضاء على "محور المقاومة"؟ لا؛ لأن الله لا يترك موازين القوى لصالح "محور الشر". فلا بد للشر من مقاوم، أما أسباب النصر فإن الله عز وجل له حكمة في تأخيرها؛ ليس لأنه خذل الحق، ولكن لتقام الحجة على هذه الأمة؛ كيف لها أن تترك المستضعفين في الأرض دون نصرتهم.

على المتفكر في الأمور أن يعلم أن هذا زمن لا يوجد فيه محايد؛ فإما مع الحق أو مع الباطل، وإن أردت أن تعرف أين الحق فانظر أين يضرب الباطل: {مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [سورة النساء: 143].


* المقال يعبر عن رأي الكاتب